تلك المدينة أحلم بها

ياسر عبد الله*

المدينة التي أحلم بها – بالأحرى تلك التي تجري كل أحلامي على أرضها – تتكون، مثلها مثل كل المدن، حقيقية كانت أو متخلية، من عدة عناصر أساسية.

العنصر الرئيس في المدينة، يمكن اعتبار مجمل العناصر الأخرى متمحورة حوله ودائرة في فلكه، هو النهر، نهر كبير يتفرع لعدة فروع تقطع المدينة في عدة أجزاء متشابكة، أحيانًا يبدو كما لو أن هناك عدة أنهار تقطع المدينة في عدة أجزاء كذلك، على فروع النهر تلك، أو ربما الأنهار، تمتد جسور عريضة تطل عليها شوارع المدينة الرئيسة كلها، النهر لا البحر هو ما يجعل مدينتي مميزة، وإن كان البحر يأتي أحيانًأ، أحيانًا قليلة، ليُنقص على المدينة من أطرافها، حينها يكون البحر مطلًا على المدينة حين أخرج من ديماس طويل ملتوٍ، يقع بالقرب من قلعة، وعلى يمين القلعة مبنى ألمح منه وجهًا مطلًا لفتاة لم أرَ مثلها قبلًا.

العنصر الثاني ترام يجوب المدينة من أولها إلى آخرها، ترام ليس بمترو نفقيًا أو تحتيًا، بل قطار شارع كما يسميه الألمان، Straße Bahn، في بعض أحلامي يتحول هذا الترام إلى تروللي باص، وفي حلم لا أود تذكره حملني التروللي باص في رحلة بدأت بمقتل رجل، وانتهت بمقتل أمة.

العنصر الثالث، وهو لا غنى عنه لأي مدينة، هو الشوراع، شوارع فسيحة مطلة على فروع النهر الرئيس، أو الأنهار العديدة، شوارع فسيحة متشابكة في ما بينها بحيث تشكل ثيمتي التيه والمتاهة. الثيمتان الأساسيتان في كل أحلامي، دائمًا ما أبحث في أحلامي عن مخرج ما، دائمًا ما يكون الشارع موازيًا لفروع النهر أو للأنهر، وكثيرًا ما أقف على جسر من الجسور تائهًا.

العنصر الرابع، وهو عنصر لا غنى عنه لأي مدينة كذلك، هو المباني، تتنوع المباني في مدينتي تبعًا لمناطقها المختلفة وأحيائها، من مبانٍ أوروبية يزاوج معمارها بين الباروك والنيو باروك مع تداخلات قوطية، مبانٍ عالية تحيط بها أشجار متشابكة، الشيء المميز لتلك المباني هو سلالمها المتداخلة، رعب التيه يتزاوج مع خوف ما من السلالم، بيت أسرتي الحقيقي الذي أسكنه يقع في قعر المبنى، الذي نطلق عليه تلطفًا لقب الدور الأرضي، وهو في الحقيقة بدروم المبنى، لذا تعتبر السلالم عنصر اً غريباً على  المباني الأخرى التي تأتي في حلمي، وتأتي بصورة مبانٍ معقدة سلالمها متشابكة. مبانٍ مصممة على طرز حديثة وضخمة تشابه مباني الإصلاحيات وومقرات الجرائد العملاقة، أحيانًا تكون هناك أحياء مبانيها مكونة من أربع طوابق متجانسة تشابه الطراز السوفييتي الذي تم استعارته في مجمل المشروعات الناصرية في الستينات، ما يجعل مدينتي قاتمة هو أن أحياءها متجانسة، تنوع المباني غائب في شوارعها، تنوع المباني يبدو  فقط بين حي وآخر، لكن داخل الحي نفسه كل المباني واحدة، التجريد الأسمى لأحلامي الذي يأتيني حينًا هو مدينة قديمة مكونة من مبانٍ إسلامية، مملوكية وعثمانية، تقع على أطراف مدينتي الحلمية، وكثيرًا ما يحدث أن تقودني إليها خطوات التيه في حلمي، تنتهي شوارع مدينتي بها وتصب إليها.

العنصر الخامس في بنية مدينتي هو الحدائق، لكنها ليست حدائق منفردة أو مُسَوَرة، بل حدائق مُلحقة بمباني المدينة تخفي معالم الكثير منها، لا يبدو من منازل المدينة وأبنيتها سوى أسطحها، تخفى الحدائق كل طوابقها، حدائق كتلك لن تكون مبهجة، ستزيد من قتامة المدينة وكآبتها، مرة وحيدة حلمت أني أسير في حديقة كبيرة، دروبها ملتفة، كنتُ تائهًا بداخلها، ودلني على الطريق إلى الخارج رجل جالس على طرف حوض من أحواض زهورها، كان يخلع رأسه ليلوح بها إلى الطريق، وبعد أن دلني إلى خارج الحديقة، لبس رأسه وتبسم ضاحكًا.

تلك المدينة التي أحلم بها، تجريد لمدن أعرفها أو عشت بها، لكنها حلمي الأثير، وفي أحلامي ما زالت هناك مدن أخرى تنتظر.

 

* كاتب ومترجم من مصر.