ترميم سور القدس العظيم أو الاستيلاء على التاريخ

القدس-أسامة العيسة

 تم الإعلان عن المشروع الإسرائيلي المتعلق بسور القدس في نيسان 2007، وقد  أخذ يطرح منذ ذلك التاريخ أُكله السامة، وتنظم سلطات الاحتلال احتفالات استعراضية صاخبة في المدينة المقدسة، بحضور مسؤوليها الكبار للإعلان عن انجازات جزئية في المشروع،  الرامي حسب سلطة الآثار الإسرائيلية التي تولت تنفيذه لـ "ترميم وإصلاح الأسوار التاريخية التي تحيط ببلدة القدس القديمة". علماً أن المشروع هو حلقة في سلسلة تهويد قسري، يحمل شعار "القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية"، ويشكل تعدياً جسيماً على آثار تقع في مدينة محتلة، وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي، فضلا عن الحساسية العالية للعبث المدمر للطابع التاريخي للمدينة القدسة.

 قبل أشهر أعلنت سلطات الاحتلال إدراج سور القدس مع مواقع فلسطينية أخرى ضمن قائمة للتراث اليهودي، وهو السور الذي  بناه في القرن السادس عشر السلطان العثماني سليمان القانوني، وقد رفضت اليونسكو مؤخرا الاستيلاء الاسرائيلي على التاريخ.

قبل اسابيع احتفلت سلطات الاحتلال بما أسمته افتتاح باب الساهرة، وهو أحد أبواب القدس المفضي إلى شمال المدينة، ويطلق عليه أيضا باب هيرودس،  وذلك بعد عملية ترميم وتنظيف  واسعة. يؤدي الباب-البوابة إلى عدة أحياء في بلدة القدس القديمة، وإلى الحي الذي يحمل اسمه خارج الأسوار. وحي الساهرة مرتبط بميثولوجيا محلية وإسلامية حول البعث والقيامة، ويضم مواقع معمارية فلسطينية مهمة منها قصر الشيخ محمد الخليلي، وهو احدى أولى البنايات خارج أسوار بلدة القدس القديمة، وقد أسال لعاب رواد الحركة الصهيوينة مبكراً، وتسيطر عليه الآن سلطة الاحتلال، ومنها المتحف الفلسطيني الذي سيطر عليه المحتلون مع كنوزه، بعد احتلالهم للقسم الشرقي من القدس في حزيران 1967، وأطلقوا عليه اسم "متحف روكفلر".

ترميم واجهة باب الساهرة ، يجذب السياح إليه رغم الوظيفة السياسية للترميم ، التي قد تنطلي على بعض الزوار، ويتم ذلك جنباً الى جنب مع التنكيل بالمقدسيين بأوامر الطرد أو الهدم، القتل والاعتقالات، وتهويد مدينتهم بصورة قسرية تحت أنظارهم.

"افتتاح" باب الساهرة الذي بني عام 1539، سبقه افتتاح آخر لباب مهم من أبواب القدس، هو باب الخليل بعد أن أحدثت السلطة المحتلة في المنطقة التي يقع فيها تغييرات عديدة، لجعلها منطقة "وسط البلد" واستكمال ما تسميه "توحيد شطري القدس".

نقش إسرائيلي يحاكي النقش العثماني

يبدو المشروع  عملية واسعة لتغيير هوية المكان وتهويده، ودمج القدس الشرقية التي احتلت العام 1967، مع أحياء القدس الغربية التي احتلت في العام 1948، وإلغاء الحدود المفترضة  تطبيقاً للرؤية الإسرائيلية حول "القدس الموحدة"، وهذه ليست المرة الأولى التي تُنفذ فيها عمليات تهويد واسعة في منطقة باب الخليل لجعله مركز المدينة بدلاً من باب العمود وسط القدس الشرقية، فمنذ وقوع  الاحتلال في حزيران 1967، بدأت عمليات تستهدف باب الخليل والمنطقة المحيطة به، وقبل سنوات تفجرت فضيحة تسرب أملاك في المنطقة إلى منظمات يهودية، وهي الفضيحة التي كلفت بطريرك الروم الأرثوذكس السابق منصبه.

حولت سلطة الاحتلال قلعة باب الخليل المهيبة إلى "متحف قلعة داود لتاريخ القدس"، وفقاً لأكثر الأساليب المستخدمة في المتاحف تطوراً، لتقدم تاريخ المدينة المقدسة على أساس توراتي، وعمدت على إقامة حدائق أثرية في المنطقة بتبرعات سخية من أثرياء يهود، وأصبحت هذه الحدائق مكاناً مثالياً لبنات الهوى اليهوديات الآتيات من غرب المدينة لاصطياد الشبان العرب، وقد غضت شرطة الاحتلال النظر عن ذلك، واتهمت من قبل كثيرين بأنها متواطئة، ف"توحيد" القدس ، لم يشمل بنات الهوى المحظور نشاطهن قانوناً، والمسموح به للشبان العرب لصرف أنظارهم عن سلب مدينتهم.

في العام 1990 عثرت السلطة المحتلة  خلال عملية تهويد منطقة باب الخليل، على آثار السور الفاطمي للمدينة المقدسة، فسارعت لطمر الآثار وبنت مزيداً من الطرق والجسور، وفي وقت لاحق أدخلت تحديثات واسعة لتسويق المنطقة باعتبارها "مركز المدينة".

نقش عثماني

يعتبر باب الخليل أو باب يافا في تسمية أخرى، أو باب بيت لحم في تسمية ثالثة أحد أبواب القدس القديمة الرئيسة، وهو باب مشرع على غرب المدينة، وتعدد تسمياته يشير إلى صلته بمدن أخرى كان سكانها يدخلون للقدس منه، وتميز هذه الباب بقهوته المعلقة التي يتجمع فيها الفلاحون والمثقفون والسياسيون الذين يؤمون القدس، و بـ "قهوة الصعاليك" التي كانت مكانا لالتقاء كتاب وأدباء القدس الذين أصبحوا أعلاما ،كخليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي. وكان يميز الباب برج الساعة، الذي بني،مثل أبراج أخرى في مدن نابلس ويافا، وطرابلس، تخليدا لذكرى مرور 25 عاما على جلوس السلطان عبد الحميد على العرش، وعندما احتل البريطانيون القدس أزالوا هذا البرج بزعم أنه يشوه تراث المدينة.

ولم تغفل السلطة المحتلة البعد الرمزي في ما تفعله، فوضعت نقشاً يؤرخ لترميمها غير الشرعي يحاكي النقش العثماني على الباب.

افتتح باب الخليل، أول مرة في العام  1538، وفي العام 1898 تم فتح ما يوصف بأنه ثغرة بجانبه لتمكين إمبراطور ألمانيا فيلهام الثاني وزوجته اوغستا فكتوريا من المرور داخله إلى البلدة القديمة بعربتهما. ووضعت حرب 1948 حداً لازدهار منطقة باب الخليل، عندما تحولت إلى منطقة تماس بعد تقسيم القدس لأول مرة في تاريخها، وتظهر على الأجزاء العليا من باب الخليل آثار رصاص أطلق خلال تلك الحرب التي انتهت بنكبة شعب فلسطين وإقامة دولة إسرائيل، التي توسعت وشنت حروبا أخرى واحتلت ما تبقى من القدس، وما انفكت تجهد لتهويدها قسرياً بما لا يحصى من اشكال التمويه، ووصلت إلى واحد من أهم معالمها وهو السور العظيم الذي يضم بداخله، أهم الأماكن المقدسة الإسلامية-المسيحية  ومنها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

عملية الترميم السياسية لسور القدسلم تثر الجماعات السياسية والاجتماعية التي تركز عادة على المسجد الأقصى، أو قلق جماعات المثقفين التي تزداد انغلاقاً على مكوناتها وتبعية للسياسيين الذين لا يكلون من إعادة انتاج فشلهم، بينما يتواصل تهويد المدينة المقدسة على مختلف الأصعدة ومن بينها الأثرية والثقافية والتاريخية.