بين صحراوين وضجر

سميرة عوض*

أرغم روحي في كل يوم على عدم الكتابة اليك، أو الكتابة عنك، أو التفكير بك، أو التحدث اليك بصوت ذهني، وما ألبث أن أقبض على يدي اليسرى تضغط على فمي بقسوة، لئلا يسمع الناس حديثي، أو أسمع  صوتي يهتف:

"................................. باسمك".

  كيف تنبز من نوافذي مزهوا بانتصاراتك، معلنا أن لا طعم لجملة: "صباح الخير يا عمان"، ما لم يمر الصباح في احتراق سيجارتك النهارية الأولى، وكأس شايك بسكره القليل.

أدير إبرة الراديو بين محطات الإف إم العمّانية، فيأتي صوتك ساخراَ مستنكراً ومتبوعا بضحكة ماكرة: ماذا يخبئ يومك لزهرة الأزرق البيضاء؟.

تبتسم عمّان وشوارعها لسذاجة حلمي باغتيال ساعات اليوم،  كائنات المدينة  في الصيف تصبح ليلية،  يزعجها ضوء الصباح، وفي انتظار صحوتهم أمرن  روحي على "تطنيش هذا القلب الذي لا يسهو"، الذي أحاول صادقة دحرجته في شوارع عمان الهادئة إلا من زلزال  أفكاري، وقلقي عليك.

 

وإذ يرشقني العابرون بدهشة استنكارية أنتبه لصوتي المرتفع لهفة، وأنني أحاور أذني، بحجارة من ضجر.
 

 

وفي الطريق إلى أعمال لا مجدية كثيرة، جل مهمتها الجليلة والمرغوبة؛ أن تسرق الوقت من وقتي، وأن لا تكل عين قلبي من تقشير برتقالة الشمس، والسباحة في نارها، فأهربني نحو الحقل، إذ أشجار الزيتون، وقطوف العنب وأشجار اللوز ، أبتسم لذكرى غير بعيدة، حين جادلتني: لماذا تهمسين بصوت خفيض، وليس إلانا؟ فأقههه إذ أنا متلبسة بالصراخ "عليّ" إذ ليس إلاي! فقد ضللتني - حينها- . وإذ تطول الطريق إلي فتتداعى انهماكاتي:  فثمة باب للقلق، باب لحلم ليس فرِ حاً تماما، باب لحياة على ذمة الضجر،  وثمة باب لا باب له.

قبيل أن أفوز تماما بإغتيال ساعات نهاري، وإقناع الشمس بالخلود الى سريرها، أُمني النفس بمشوار خاطف الى قرية، أظنها "سكرة فضية" تتحلل في حلقي، أهزم بها بحة صوتي، وأستعيد ألق الحضور حين كنا تسعة أرواح نتقاسم ضحكة مكتومة متواطئة تحررنا منا.

وأمام هيبة الغياب تحرجني مجازاتي الفاضحة، فأكتفي بفيض أمومتي، إذ أبادر في - عز الحر-  من قلقي لتغطية "معدة" أطفالي الكبار، لكنك تكون ثالثهم، أو هكذا أتمنى في أعماقي،  وكطفلة "تلعب بيت بيوت" تحاول معانقة ماء النبع فتصطدم كفّاها بالهواء.

ألوذ بالهذيان كساحة لحرية مشتهاة، بعيداً عن رقابة ذاتية أشد وجعاً من رقابة خارجية مرفوضة أصلاً، أكتشف غباوة فكرة "إغتيال الوقت"، وكعادتي قبل كل قراءة ليلية لأحلامك، ولنزقك الشهي، وضجرك الطبيعي، تربكني اللحظة، أغض قلبي وعيني، أبحث عن وجهك الأليف أستنجد به، فتلتقي عيناي ببشاشة سيجارتك، ألوذ بها ما تبقى من ليل الضجر والقراءات المفتوحة على اللاوعي.

ومع بزوغ فجر أخر أجدني أكره مثلك تماما "الحصار ولو كان من حب"، الا أنني أصعد ربوة القلق مرغمة، لتفقد ما صعد منا إلينا، وأطل علينا حيث انهمرت دموع الغيمة على أغصان الروح لغرابة المشهد.

هنا أرض.

وهناك أرض.

والفاصل سماء وأرض، وصحراء،  والدرب إليك شائك بعده نصف عمر، وقربه ثوانٍ وعبق شمام أصفر...تفحصنا رائحته، وصعدنا المكان من لهفة، لولا هذا المطر لكانت الجنة أبعد. رشفنا من الزرقة فرحا، خبأنا من الريح قبضة، واقترضنا غيمة فانتشت الصحراء.

قلت لليل: "أنا من هناك، والى هناك أعود"، كف حانية، وراجفة أيقظتني، وزرعتني فراشات، أفردت جدائل الشمس، موسقت الريح، رقصت الأعشاب من دهشة، وما صدق الليل: أنك "وطن".

قلعة الأزرق كانت عتبة البيت، والباب هو من أغراني بالطرق. ليرد علي بالحنين، لست أنا من تقصدين بل أنت، نمت على صدر المكان هنيهة، أرقصتني الريح رقصة نائم، وردتني لضجر الصحو.

 

بين صحراوين، قلت لفراشة ـ ضبطتني متلبسة بشوقي- لاتغرنك ألواني، ولا تبهرك رقصتي، فالرحلة نحو الضوء أولها لهفة وآخرها انتحار، هذه أوراقي فاختاري المضيء منها وعلقيه على رأس الشهوة. خذي من حقلي تربة وحصاة، وورقة من كل شجرة، وبتلة من زهرة قلبي، فقد أستعيد المكان. أو يجمعني بي الشتات، لكن تستري على إباء الوردة ولا تسري للقاتل باسم القتيل، إذ أذكر نبضة بريئة تدثرت بالرماد، فأشعلت فتيل الفتنة، ونار صقيعها احترفت.
أذكر أن الرمل كان ينوء بخيمتنا، فيلوذ بحباته، ثم يحترق نشوة تحت ضحكاتنا. 
أما النجوم فقد انتشرت في السماء،لا تعرف التاريخ، ولا الجغرافيا ولا تدرك  لماذا ومتى هجرتها  الكواكب.

 

والقمر في اكتماله، يومها،  والليل إذ  يغري الطير بمغازلة أنثاه، فتنهال الموسيقى توزع ألحانها على حبيبات الرمل الصامتة إلا من وشوشة ملائكة، تلقي  الشهب بين الفينة والأخرى على  الأزرق  فرحة بزفة الطير، وكلما تتصاعد الموسيقى تحث فراشات الصحراء خطاها نحو النار، وتتلو سنابل في البال تعويذتها قبيل رقصة آخر الليل، والحصى منزعجة من آلات التصوير وفضول الغرباء وشدة الحر،  فلا وقت للكلام، لاوقت إلا للفرح فمن يجرؤ على جرح الصمت، حتى أنني أخجل من صوت أفكاري في هيبة صمتك.

 سأمشي مسافة شاقة وطويلة قبل أن تتوسط عيني قامتك، تتوقف أنفاس الظهيرة من شدة الوله، نبحث عن انبعاثة مجنونة لحكاية فاتنة، تزرع الأمكنة بتساقط مطر مباغت فيتصاعد عطر التراب، نعتصره بكفي الياسمين،

وبدمع عصي لا يستدرجه الا...

*كاتبة من الأردن