في رواية "الهوية" لكونديرا : الخوف الذي يتربّص بالعشق

كريمة الابراهيمي*

هو العاشق والحالم..وهو الهارب من زمن البرد إلى زمن كثر جمالا ودفئا.هو الذي يصحبك في رحلة طويلة تستيقظ منها وأنت لا تعرف حدود الحلم من الحقيقة،وحدود الرغبة من حدود العشق.

     يكتب الرواية كمن يكتب قصيدة، يحلق مع الكلمة كمن يعزف لحنا، ويجول بك في عوالم الحضور والغياب، ومع نقطة النهاية للرواية تتمنى أن لو عدت إليها لتحيا حياة أبطالهاإ نه الروائي ميلان كونديرا.

     كونديرا من الروائيين التشيك البارزين في عالم الكتابة. كتب العديد من الأعمال الأدبية التي قدمته كروائي مميز.

      في روايته الثامنة وعنوانها-L’identité-أو-الهوية- تنطلق صرخة تنبعث من خيالنا حين نصحو من حلم فاجع، مرتعبين من أن نكون قد أضعنا الذين نحبهم. هي الفجيعة التي نشعر بها إذا ما صحونا مرتجفين، من أن يتحقق الذي رأيناه في الحلم /الكابوس.

     هي قصة عشق على طريقة–كونديرا- الحالم. بطلاها- جان مارك -و-شانتال-العاشقان إلى حد الدهشة.  وهي قصة الصداقة التي لا يمكن العثور عليها في أية زاوية من أيام العمر الراكضة،وهي قصة خوف على هذا العشق الذي لا يأتي دائما وفي أية لحظة.

    تبدأ الرواية بالكابوس وتنتهي به، وبين الكابوسين يقف العشق كأجمل ما يمكن نلتقيه.

ولما كان الكابوس مرعباً فإن الخوف من اليقظة يكبر.يقول-جان مارك-:"لا أريد أن أقول بأن ذهني كان صافيا تماما، كنت أعي كل شيء ولكن كل شيء كان مشوها قليلا كما في حلم. بين وقت وآخر يصبح الحلم كابوسا..انه ينتهي بسرعة.تأخذ في الصراخ وتستيقظ ولكني من جهتي لم أكن أستطيع الصراخ. وكان ذلك هو الأرهب، ألا أستطيع الصراخ، العجز عن الصراخ وسط الكابوس"1.

 إنه الرعب حتى ولو كان ذلك في حلم، فكيف يكون الحال ويتحول الحلم إلى كابوس فعلي؟ذلك ما كان يخشاه-جان مارك- ولكن الكابوس تحقق في البداية حين يموت-ف- صديق-جان - الذي لم يتحمل رؤيته ميتاً بعد سنوات من القطيعة.هو الصديق الذي لم يصفح عنه رغم كل تلك السنوات..يقول:"ذات يوم ، منذ سنوات عديدة علم أن-ف-قد خانه.آه الكلمة مغالية في رومنطيقيتها ومبالغة بالتأكيد: ففي اجتماع جرى في غياب-جان مارك- هاجمه الجميع وهو ما كلفه في ما بعد عمله.كان-ف- حاضراً في الاجتماع، كان هناك ولم يقل كلمة واحدة للدفاع عن جان مارك.."2.ومن هنا جاءت القطيعة التي بادر اليها –جان -وأصرت-شانتال- عليه أن يزور صديقه قبل أن يفارق الحياة.

      الخيط الرفيع الذي ينتظم الرواية هو العشق الخفي بين-جان مارك-و-شانتال-التي تكبره سنا.. تسري برودة في أيامها حين يكون-جان مارك –غائبا، وتحاول أن تجد معنى للحظاتها وهي تسير في الشوارع باحثة عن رجل واحد يغازلها أو يلتفت إليها، لكنهم لا يعيرونها انتباها.تقول:"الرجال لن يعودوا يديرون أبدا وجوههم نحوها.."3.

وتنتظر مجيء-جان -إلى المكان الذي قررا أن يلتقيا فيه لتمضية نهاية الأسبوع.

     بوصوله ذهب بحثا عنها حول الشاطئ فهو المكان الذي تفضله.وبينما هو مستغرق في أفكاره، يلمح –شانتال- والعربة تكاد تصدمها بينما هي مستسلمة لأفكارها، وللحظة يصرخ ويركض ملوحاً لها بأن تبتعد لأن العربة ستدهسها..بل دهستها:"...فجأة تخيل جسدها مسحوقا بالعربة، ممدة على الرمل، غارقة بالدم، والعربة تبتعد عن الشاطئ، ورأى نفسه يركض نحوها.كان منفعلا بهذه الصورة إلى حد أخذ معه فعلا بالصراخ باسم شانتال"4. واستيقظ فجأة من خياله ليراها أمامه تتنزه على الشاطئ،هادئة وجميلة كعادتها.لاح له شعرها من بعيد فركض نحوها ملوحا بيده، لكنها "توقفت من جديد ومن جديد واجهت البحر ونظرت إلى المراكب الشراعية البعيدة دون أن تلاحظ الرجل الذي كان يلوح بيده فوق رأسه"5

كذا كان –جان مارك- يعيش حلمه/كابوسه مواصلا التلويح وأخيرا"..التفتت نحوه وبدا عليها أنها رأته.رفع ذراعه مرة أخرى ممتلئا سعادة لكنها لم تهتم به.تبين له أن ما ظنه جديلة شعرها كان شالاً حول رأسها. وبقد ما كان يقترب بخطواته غدت فجأة أقل تعجلا بكثير. كانت هذه المرأة التي ظنها شانتال مسنة، قبيحة، وبصورة ساخرة امرأة أخرى"6.انفرج الكابوسو–جان مارك- في مواجهة مع الشاطئ ومع وجه ليس وجه-شانتال-.يلتقيها وإذا هي متعبة ..تعاني فراغا وإهمالا وتتألم لأن الآخرين لم يعودوا يهتمون لها. وتستقبل –شانتال-أول رسالة بلا توقيع وبجملة واحدة " أتبعك كجاسوس.أنت جميلة جداً، جميلة جداً"7.وتوالت الرسائل التي حاولت –شانتال-أن تعيدها إلى رجل آخر وكلما خطر لها رجل عادت وغيرت رأيها .تتواصل الرسائل وتتواصل علاقتهما ليصحو-جان مارك-في النهاية أو تستيقظ- -شانتال- لا ندري من منهما كان يحلم بتلك الدائرة من الناس، في جلسة جنس جماعية وفي مكان معزول.كان-جان مارك- يبحث عن-شانتال-محاولا تخليصها من تلك الدار المرعبة وحين استيقظت كان يصرخ بها"شانتال.شانتال.كان يضم بين ذراعيه جسدها الذي هزته الصرخة.استيقظي ليس ذلك صحيحا."8.يختلط الحلم بالواقع ولا ندري من أرسل الرسائل ، ومتى بدأ هذا المزج بين الحلم والواقعومتى تحولت حياتهما إلى حلم /كابوس؟.

تنتهي الرواية بقول الراوي:"أرى رأسين من زاوية جانبية يضيئهما نور مصباح سرير صغير: رأس جان مارك وقد استند إلى وسادة، و رأس شانتال الذي انحنى فوقه على  مسافة عشرة سنتيمترات عنه. كانت تقول لن تفلت بعد اليوم من نظري سأنظر إليك دون انقطاع.وبعد وقفة أخاف حين ترف عيني أخاف أن تندس خلال هذه الثانية التي تنطفئ فيها نظرتي مكانك أفعى، جرذ، رجل آخر"9. ذلك الامتزاج بينهما يعيد للحياة طعمها ويصنع القادم من الأيام.

    تلك رائعة-كونديرا- التي يمزج في أعماله نكهة الحلم بالخوف من فقدان ما في أيدينا.الخوف أن يكون الحلم هو الحقيقة، أو أن نقف فجأة لنودع الذين نحبهم، ولم يكن لنا الوقت الكافي لنحبهم كما يليق بهم.

من أعمال كونديرا الأخرى :فالس الوداع،الحياة هي في مكان آخر،خفة الكائن  ، غراميات مرحة وغيرها. 

 

* كاتبة من الجزائر 

هوامش:

1- 9الهوية، ، ت/أنطوان حمصي، ورد للطباعة والنشر، ط1، دمشق 1998ص11.