الممثلة والمخرجة المغربية لطيفة أحرار: المسرح من قُرب

قاب قوسين

بعد مراكش والرباط حطت الفنانة المغربية لطيفة أحرار رحالها في العاصمة الأردنية عمّان، فقدمت ضمن مهرجان عمان المسرحي عرضها المونودرامي الجديد  "كفر ناعوم" أو "أتو- صراط" المستوحى من ديوان "رصيف القيامة" للشاعر المغربي ياسين عدنان، الصادر في ثلاث طبعات عن دار المدى دمشق ودار التوحيد بالرباط. ومن المنتظر أن تنطلق قريباً في جولة فنية تقودها إلى بلجيكا، بولونيا، إسبانيا والإمارات.

لطيفة أحرار ممثلة مسرحية وسينمائية وتلفزيونية ومخرجة مغربية من مواليد العام 1071، تخرجت في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1994، وشاركت في أعمال مسرحية عديدة، وبعدد من الأفلام والسيتكومات الشهيرة، وفي مهرجانات وطنية وعربية، ونالت العديد من الجوائز. من أفلامها: ليالي بيضاء (2004)، مغربيات في القدس 2005، وأبواب الجنة (2006).

يعتمد عرض "كفر ناعوم" على التعبير الجسدي من خلال الرقص المعاصر، حيث اشتغلت أحرار مع كل من الكوريغراف المغربي المقيم بفرنسا خالد بنغريب، والكوريغراف الإيراني المقيم بكندا ساشار زاريف من أجل تعزيز القوة التعبيرية لجسد الممثلة، كي تمنحه في هذا العمل فرصة أن ينطق بلغةً عالميةً لا تتطلب ترجمة.

مادة العرض مستقاة من تاريخ ضارب الجذور، حيث تتشابك المصائر والنهايات ليصير الزلزال قدراً لا فكاك منه. إنه سفرٌ في جغرافيا أسطورية، في مدينة ذات أهوال غفلت عن تخليدها الخرائط، مدينة "كفرناعوم" الفلسطينية التي دُمرت قبل 1264 سنة، سفرٌ بلا هدف واضح. بحث عبثي عن جوهر الكائن وسط حديقة المهملات وبين أفياء بستان فسيح يضم ما لا يحصى من الرُّفات والمُتلاشيات.

"كفرناعوم".. مقبرة للأرواح الحية، أرواحٌ ترفض الموت، ولا تتردد في استعراض قيامتها الدرامية على الخشبة، مباشرة أمام الجمهور.

تؤكد لطيفة أحرار من خلال هذا العمل المسرحي، أن الأمر لا يتعلق بمصاحبة للشعر أو مجرد تأثيث لفضاء إلقاء الشعر، وإنما بعمل فني إبداعي خاص ينطلق من الديوان لبناء لحظة فنية حرة، جريئة ومعاصرة.

ورغم أن لطيفة قد تجرأت على الظهور بملابس البحر في أحد مشاهد العرض في موطنها المغرب، فإنها لم تكن تمارس "الستربتيز" كما وصفها بعض المتزمتين من فقهاء الظلام، الذين أساؤوا قراءة العرض، في مواقع الكترونية، وإنما حاولت عبر ذلك المشهد المندمج مع بقية أجزاء العرض، الانفتاحَ على شكل من أشكال التجريب المسرحي، حيث لغة الجسد وإيماءاته وحركاته ليست لغةً مكملةً فحسب لمتن النص المسرحي، بل هي لغة أساسية تعتمدها الأشكال الفنية المحتلفة في العالم.

تقول لطيفة عن هذه التجربة: "في عرض "كفر ناعوم" اشتغلت على جسد يبحث عن روحه، جسد يريد أن يتحرر من أعباء الحياة، كنت أطرح على أبي الراحل مراراً هذا السؤال: ما معنى الموت؟ ما معنى الحياة؟ وحين قرأت "رصيف القيامة" لياسين عدنان وجدت أن مشاهده تنقلني إلى عالم الماوراء، لكنه في حد ذاته العالم الذي نعيشه الآن حيث القيم الجميلة تسقط تباعاً لحساب قيم الاستهلاك". تضيف لطيفة "إن ما قدمته هو مشروع فني لرؤية خاصة إلى العالم، ولا يمكن النظر إلى المسرحية من مشهد واحد، قد تكون ردود الفعل مختلفة، وما يهمني هو أن يخلق الفن مساحات للنقاش، ونحن نتطلع إلى هذه النقاشات الفنية والثقافية ".

ويرى الشاعر ياسين عدنان مؤلف النص أن لدى لطيفة أحرار إيمان قوي بأهمية الجسد على الخشبة، وهي ترى أنّ خشبةً لا يشتعل فوقها الجسد تبقى غير جديرة بالمسرح. هذا التصور طبعاً هو ما حاولت الممثلة بلورته في "كفر ناعوم برهافة شديدة.

إن "كفر ناعوم"، بحسب ياسين "عرض جريء بالتأكيد، لكن جرأته في الجوهر فنية: جرأة في الكتابة الدرامية، وفي هندسة الموسيقى التي تم توظيفها بتميز في عرض حي لمهندس موسيقى صاحَبَ لطيفة على الخشبة في إبداع ارتجالي مباشر وتجريبي على المسرح. وهناك جرأة في تصورها لعلاقتها مع الجمهور، هي التي تؤمن بالتفاعل الحميمي معه انطلاقا من أفكارها عما تسميه "مسرح القُرب".