المقعد الأخير

عالية ممدوح*
ـ 1 ـ
يتآكلني الفضول لبلوغ الصفحة الأخيرة في أي كتاب أتصفحه، أفرط في الهواجس وأنا أريد الوصول إلى الصفحة الأخيرة في مخطوطة أدونها . تتلعثم يدي لآخر تلويحة من يدي ، لذاك البلد الذاهب للاختفاء ، بلدي . للغرفة الأخيرة ، غرفتي التي شغلتها في وصال بيتي هناك . رهينة لآخر مفتاح في بيت الأهل ، الذي  لطالما تصورته  أنه جوهر الحبكة في رواية حياتي . في الكلمة الأخيرة ، آخر كلمة ، والتي جوهرياً لا وجود لها ، في آخر صفحة  من أية رواية كتبتها كانت هي حجتي في البقاء .

 في درجات السّلم الأخيرة الذي أصعد أو أنزل لكي أكون وجهاً لوجه أمام من أهوى .

 في النظرات الأخيرة التي نزعم أنها مسألة حياة أو موت ، وما أن ينقضي الأمر  حتى تبدو مسلية ، كلا زائفة .

في القطرات الأخيرة من ثمالة ثانية واحدة أعيش على نفقتها ، ما زلت .

في الطبق الأخير من قائمة الأغذية الأرضية ، في اللقمة الأخيرة من ماعون طهي العائلة ، هي دائما اللقمة الألذ .

في النفّس الأخير ـ كنت ـ وأنا أقرأ اسمي في الناجحين  بالبكالوريا ! في سر اللامبالاة وأنتِ في أول سعْد ـ اليفاعة ـ والتلصص وأنت أتحشرين في دماثة الأفول .

في سراديب بيوتنا العراقية العريقة والغامضة ، التي تذكرني بالصفحات الأخيرة ، هناك تمت التمارين الحارقة لفنون الأسئلة ، التورية والمكابدة  ، في المراوحة بين التهكم على النفس ، والفكاهة لآخر فضلة من القساوة والأذية .

ـ 2 ـ

شغوفة بالمقاعد الخلفية في أية صالة عرض ، في الحافلات ، في قطارات الأنفاق ، في الرحلات الشائقة بين مراكز المخ وذبذبات الجسد ، في الصفوف الخلفية من المظاهرات والتظاهرات ، مع رافعي اليافطات المجهولين ، في الذبالة الأخيرة لمصباح الترحال والمغادرة من بلدي ، في ليل الساهرين الوحيدين ، الحيرانين ، والخسرانين .

 في الليلة الأخيرة ، وكل ليلة هي الأخيرة ، وأنتِ بين ذراعي المحبوب ، وأنت ترتكبين الأخطاء ذاتها، وتتصورين أنه مجرد روتين .

شهية ثمار الصفحات الأخيرة ، وكسوة دافئة تشيلني من زمهرير الضوء ، في المقدمة أو .. فأحسب ذاك يسبب تشوشا في الإبصار . على الأرجح ، أقول ، الصفحة الأخيرة تقتضي نوعا من البشاشة والحياء ، فلا تُمسكْ من الأذيال من حراس باقي الصفحات ، فالمشهد من مكاني ـ المقعد الأخير ـ يبدو محمياً ، أو هكذا يتراءى لنا فنتوهم  أن نراِقّب دون أن نُراقب .

 حين  استرجع بعض التفاصيل في جميع الغدوات والروحات ، في الظهور واللاحضور ، ألا تبدو الأمور طريفة قليلا ، فربما ، وفي الأخير ما كل هذا وتلك إلا حجة في الغياب.

 

* روائية من العراق مقيمة في فرنسا.