"المقدّس والحرية" لجدعان: الجدلية في ذروة قصوى

محمد جميل خضر*

بتوازن محكم، وروح جدلية وثّابة يلج الباحث الأردني د. فهمي جدعان، فصول كتابه الجديد "المقدّس والحرية" المتضمن إلى ذلك، في 400 صفحة من القطع الكبير، أبحاثاً ومقالاتٍ أخرى "من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث".

في الكتاب الذي يسمّيه صاحبه "المجموع" والصادر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ، موضوعات عديدة، ومحاور على جانب من الحيوية والأهمية ؛ إنْ في إطارها العربي الساعي لفك طلاسم كينونته المتذبذبة، أو في إطارها العالمي المتمترس خلف منجزه الحداثوي وحتى ما بعد الحداثوي، والحامل ليبراليته كوثيقة خلاص من الوجدان والموروث بشكل قطعي صادم.

في الباب الأول "في الحرية"، يتجنب جدعان الغوص في وجوه العلاقة بين المقدس وبين الحرية (حرية التعبير) على امتداد التجربة التاريخية العربية والإسلامية، لأن الحاضر، خصوصاً ما اصطلح على تسميته "الإسلام المُعَولم" هو الذي يهمه ويشغله. وفي سياق تفسير صاحب كتاب "في الخلاص النهائي- مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين" لمصطلح "الإسلام المُعَولم"، يوضح جدعان بأنه "الإسلام الممتد من مدنه الخاصة أو المحلية إلى المدينة الكونية الشاهدة"، ذاهباً إلى أن "الترابط بين هذه المدن وثيق، واختلاط المقدّس والحرية فيها، على سبيل المجاورة أو التداخل أو التضافر أو الترافع، شديد".

رغم تجنبه الغوص في الجانب التاريخي لثنائية المقدس والحرية، إلا أن استعراضاً تاريخياً سريعاً يتيح للباحث أن يضعنا أمام جدلية قديمة، مستعرضاً عدداً من الأمثلة والشواهد؛ فها هو الخليفة المأمون يمتحن معارضيه السياسيين بدعوى إنكار القول بخلق القرآن. وها هم خصوم المعتزلة من أمثال الحنابلة والبغدادي وأضرابهم يرمون المعتزلة بتهمة التعطيل، وينعتون أقوالهم وأقوال غيرهم بالفضائح. وأبو حامد الغزالي يأخذ بدوره على فلاسفة الإسلام أنهم في الأغلب من أقوالهم "مبتدعة" وفي بعضها زنادقة أو كفار. وآخرون شجبوا المنطق ونسبوا المشتغلين فيه إلى الزندقة. وبالروح نفسها ألصق أبو الحسين الخياط (وهو معتزلي ينسب بعض المحدثين مذهبه إلى ما يسمّى بـ"الفكر الحر")، صفة "الملحد" بابن الراوندي. ولحقت الصفة نفسها بثلة من المتصوفة القائلة بالاتحاد أو الحلول أو وحدة الوجود. وفي غمرة هذا كله، "ضاع" أو "فُقد" أو "أُتلف"، بحسب الكاتب، قدر عظيم من المصنفات والرسائل والكتب التي تنطوي على مقالات "منكرة أو آراء مخالفة أو عقائد ضالة زائغة". وهو ما يدفع المؤلف إلى الاستخلاص أن "صمتاً قسرياً" قد فُرض على ما ستسميه الأزمنة الحديثة منذ عصر الأنوار الحق في حرية التعبير.

يجزم جدعان صاحب كتاب "نظرية التراث" بشكل قطعي في مستهل باب "في الحرية"، أن حالات الاضطهاد "المشهودة والمختلطة" كمقتل معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم إبان الخلافة الأموية، وكامتحان المأمون لأصحاب الحديث، أو قتل الحلاج، أو إقصاء المخالفين في المذهب، في النظام العباسي، قد كانت "بكل تأكيد لدواعٍ سياسية لا لأسباب عقيدية ذات صلة بمطلق الاختلاف وبحرية التعبير".

ويذهب المؤلف إلى أن الحداثة فرضت منذ تسيدها المشهد الفكري والاجتماعي الغربي، وقائع جديدة أقصت خلالها الديني، ونصّبت العقل إماماً وحاكماً وأقرت حقوقاً للإنسان، وجعلت من حرية الاعتقاد والتعبير حقاً "مقدساً".

وإذ يرى جدعان أن الخوض في المقدس من جهة ماهيته ووظيفته وأغراضه، هو من اختصاص فينومينولوجيا الدين وماهية الديني وسوسيولوجيا الحياة الدينية والروحية التي بحث فيها بإسهاب علماء وباحثون وفلاسفة أمثال أندريه فِستوجيير ورودلف أوتو ووليم جيمس وإميل دركهايم وميرسيا إيلياد وبيتر رغر، فإن جل ما يعنيه في هذا الإطار كما يوضح، هو تناول المقدس الذي يحيل إلى "الوجود المفارق، المتعالي أو العلي، السامي، الطاهر، المبارك، الذي يحظى بالاحترام والتبجيل بإطلاق ولا يجوز تدنيسه وهتكه والاعتداء عليه وخرق حدوده وأحكامه".

ومستعرضاً آفاق كلمة "المقدس" في إطارها اللغوي، وما أصابه الفيروزبادي في هذا السياق، يخلص الباحث الى أن المقدس هو "وجه جوهري للدين وعماد أساسي من أعمدته". ثم يمضي بعد هذا الاستنتاج إلى استعراض ما يستلزم التقديس وما يحظى بالقداسة في الإيمان الإسلامي "الموجود الأول، الله، السامي، الجليل، العليّ أو المفارق، وجملة الموجودات "الوسيطة" –الملائكة والأنبياء- وما ينقلون عن الموجود الأول، الله، من "أقوال" أو "نصوص" أو "وحي"، ويدخل في الباب نفسه أمكنة يجب احترامها وعدم خرق طهارتها ونقائها وقدسيتها كبيت المقدس، والكعبة والبيت الحرام، والقادسية التي مرّ بها إبراهيم عليه السلام فوجد بها عجوزاً، فَغَسَلَتْ رأسه، فقال: قُدّست من أرض، فسميت القادسية، ودعا أن تكون محلة الحاج، وغيرها من الأماكن المقدسة في الوعي الإسلامي، كلها تدخل، بحسب جدعان، في "الأرض الحرام" أو "المقدسة" الطاهرة التي لا يجوز تدنيسها أو خرقها أو هتكها والاعتداء عليها.

ويمر المؤلف صاحب كتاب "خارج السرب- بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية"، في سياق الباب الأول من كتابه على قصص خرق المقدس بعنف، خصوصاً المقدس الإسلامي من قبل "بقايا الاستشراق العرقي والأصولية الدينية المسيحية، والمسيحية المتهودة، وسياسيين متعصبين دينياً أو سياسياً"، ويضيف إلى تلك القائمة، وهو ما يعده جديداً كاتبات وكتاب مسلمين أو ذوي أصول إسلامية، ذهب بعضهم، كما يورد، إلى مذهب النقد الراديكالي ضد دينهم، متمسكين مع ذلك، بإيمانهم الديني، بينما سلك بعضهم الآخر، بحسب جدعان، "طريق الخروج الصاخب من دين الإسلام".

يستعرض في السياق نفسه قصة الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول الكريم، والحلقة المثيرة للجدل من برنامج "الاتجاه المعاكس" التي أتاحت منبراً لإحدى "المسلملت الرافضات" المقيمة في أميركا، تعرضت خلاله للمقدّس الديني الإسلامي، وعرّضت به "بقحة بالغة"، بحسب جدعان. ويشير إلى قصة الإيراني الأصل سلمان رشدي والبنغالية تسليمة نسرين، والصومالية الأصل الهولندية بالتجنس أيان حرسي علي وما أثارته (قبل أن تصبح عضواً في البرلمان الهولندي) بتصريحاتها وكتاباتها حول الإسلام والنبي، وإساءاتها المشينة في هذا الإطار.

وبعد استعراضه عدداً كبيراً من الأمثلة على استخدام اللغة العنيفة المستفزة والرسوم المسيئة والأفلام الصادمة، ضد دين بعينه تحت ذريعة حرية التعبير، يطرح جدعان سؤالاً حول طبيعة "المشكل" الذي يمكن أن يثيره هذا التفسير المتطرف لحرية التعبير، وهي حرية خرقت هنا بكل بساطة ودون أدنى اعتبار حواجز "المقدس الديني".

والخلاف الجوهري الذي يستخلصه صاحب كتاب "الطريق إلى المستقبل"، بين من يسوقون هذا الهجوم "المسعور" على المقدس ويدافعون عن مهاجميه والمسيئين إليه، وبين المنافحين عن تلك القداسة، والمؤمنين بضرورة احترام "المقدس" لدى طائفة بعينها، أن الفريق الأول يبرر هجومه بأنه مقتصر على الفكرة لا على المؤمنين بها، وعلى الرموز والمعتقدات لا على حامليها والمنضوين تحت لوائها "الشخص لا يجوز الإساءة إليه، أما الفكرة فليس ثمة ما يمنع، لأنها مجرد فكرة أو عقيدة ليس لها سمة الشمول المتفق عليه عند جميع البشر"، هذا ما يتبناه أصحاب الموقف المؤيدة لتلك الإساءات. على الجهة المقابلة يرى الداعون إلى صون المقدس أن مطالبة الغرب باحترام المقدس الديني عند المسلمين، لا يشكّل دعوة لأن يعتنق الجميع الدين الذي يطالب أتباعه بأن تُحترم معتقداتهم، وإنما المقصود فحسب هو "احترام" هذا المقدس، باجتناب الإساءة إليه تحقيراً أو إهانة أو سخرية، لا بتصديق مضمونه أو الإيمان به، وذلك جرياً على قول القرآن الكريم "لكم دينكم ولي دين".

ويؤسس هؤلاء نظريتهم، بحسب جدعان، على أن مطلب احترام المقدس مبني على قاعدة مركزية: هي أن المقدس يدخل في البنية النفسية والعضوية للاعتقاد والمعتقِد، أي في العقل المعرفي وفي العقل الوجداني أو الشخصية الوجدانية للمعتقِد. وهو ما قد يلحق به أكبر الأذى في حال مسه أحدهم برموزه ومقدساته. أذى نفسياً بليغاً، يخترق النسيج المعرفي والوجداني والتراثي الشامل الذي تربى عليه، وكبر مغروساً في أعماقه.

وهو ما يضر، بحسب المؤلف، بالسلم الاجتماعي ويعرضه للخطر.

ويعاين في سياق متواصل، العلاقة بين الإساءة في حدها الأقصى، وبين "عودة الديني"، وعلى وجه التحديد "عودة الإسلام"، وفقاً للتعبير التحريضي للمؤرخ برنارد لويس. واقتران تلك العودة بما سمي "الصحوة الإسلامية" وبالثورة الإسلامية، وعلى وجه العموم بما يسمى الحركات الأصولية في الإسلام الراديكالي.

ويقرأ منهجياً أسباب الاختلاف بين الوعي الغربي المسيحي عند التطاول على الرموز الخاصة بهم، وكيفية تقبلهم لما يمكن أن تبلغه حرية التعبير في هذا الإطار، وكيف ألفت المسيحية "كل أشكال الإساءة التي لحقت بيسوع (ابن الله)"، وبين الوعي الإسلامي الممتدة جذور تكونه في التقليد التاريخي العقيدي الإسلامي الموروث، وارتباطه منذ البداية بالإيمان والمعصية. يقول جدعان "ارتبط البحث في أمور العقيدة بمفاهيم المؤمن والعاصي ومرتكب الكبيرة والفاسق والكافر والزنديق وغيرها. وجعل أصحاب الفرق –وكذلك فعل فقهاء المذاهب والعلماء- لكل واحد من هذه المفاهيم حكماً شرعياً يدخل في أبواب الثواب أو في أبواب العقاب. وفي هذا المنظور كان "خرق المقدس" –جحوداً وإنكاراً أو إساءة وتجديفاً أو تعريضاً وتحقيراً أو ابتداعاً وإحداثاً أو ميلاً وجنوحاً عن وضع "سلفي" أو مذهبي محدد لهذه العقيدة أو تلك- يلحق صاحبه بباب العقاب الذي يتردد على محور طرفاه التوبة والغفران وحكم الكفر".

ويقترح جدعان صاحب كتاب "المحنة" في نهاية الباب الأكثر جدلاً في كتابه والأكثر ملامسة ليوميات المسلم المعاصر، أن يتجنب المسلمون "الفتاوى القصوى" في سياق مواجهتهم لما يستهدفهم من حملات المساس بدينهم ومقدساتهم. ويبتعدوا عن الثأر وأفعال الاحتجاج العنيفة. ويكونوا دون تقليد النفاق الغربي أكثر "تحضراً وإنسانية وتقدماً" عن طريق مواجهة الإساءة "ببيان منطقي عقلاني يضع النقاط فوق الحروف"، وبنهج "علمي محكم وبوجدان يقظ حي إنساني".

وفي الكتاب إضافة إلى باب "في الحرية"، ثلاثة أبواب أخرى: "في القيم"، "في الدين" و"في المحافظة والحداثة"، وهو الباب الذي يتناول ابن خلدون كمثال نوعي على استنطاق التاريخ وتجريده من الفلسفات التي تفسره وتسوّقه، باتجاه تبني فكر مستقل ينشد العمران، ويشكّل مفصلاً تاريخياً بين "عصورنا القديمة وعصورنا الحديثة"، بما لم تفعله مدافع نابليون.

* كاتب من الأردن