المغربي إدريس الخوري : يكتب بعينين ثاقبتين ومذكراته المرتقبة تبوح بـ" كل شيء "

محمد معتصم*

 يكتب بعينين ثاقبتين وقلب من حديد. يكتبُ بنَفَسٍ فريدٍ يدُلُّ عليه، فالكاتب والشخص وجهان لعملة واحدة، لا يكاد مَنْ تَعَرَّفَ عليه من قرب التمييز بينهما. كاتبٌ حاد الملاحظة، قويُّ الذاكرة يحفظ كل صغيرة وكبيرة في مكان بعيد موصد، تجمعت فيه تجارب الأجيال،

يعبق منه نَفَسِ الستينيات بكل حمولته الوطنية وفورة تجربة المغرب الجديد الحر بعيداً عن نير الحماية الفرنسية، وهو منخرط في وقائع الحياة اليومية للألفية الثالثة.

 يكتب إدريسُ بلغته التي نحتها من مادة انتقاها بعناية من تجاربه الخاصة، يكتب القصة القصيرة، يعتني بها ويكاد يكون مخلصاً لها لولا شغفه بالألوان، وبصاحبة الجلالة "الصحافة" الأدبية. رأى النور في مدينة الضياء، المدينة المغربية الكبيرة الممتدة الأطراف؛ مدينة الحديد والإسمنت، في أحيائها الشعبية العريقة حيث تجاور المغربي المسلم والمغربي اليهودي والفرنسي وهناك تشرَّبَ خصاله.

 من مواليد العام 1939م، و\سلخ وقتاً غير قصير في الصحافة يكتب المقال الأدبي، والتحقيق الصحافي، والقصة القصيرة، وقد منحته هذه التجربة فرصة التعرف على المغرب بكل مستوياته وطبقاته، ومنحته أهم شيء وهو قياس درجة وعي القراء والمتلقين.

قدم إدريس الخوري للمكتبة المغربية عدداً من الكتب، أغلبها في القصة القصيرة، جمعتها مؤخراً ونشرتها وزارة الثقافة المغربية في جزأين العام 2001م، ومنها: "حزن في الرأس والقلب" سنة 1973م، "ظلال" سنة 1977م، ثم "البدايات"، "الأيام والليالي"، "مدينة التراب"، "يوسف في بطن أمه" و"بيت النعاس"، وفي التشكيل له كتاب "كأس حياتي".

يكتب إدريس الخوري قصة محكمة بحرفية عالية، يمكن اتخاذها مؤشرا للتمييز بين القصة القصيرة المعيار (النموذج) والقصة القصيرة التجريبية (الجديدة):

يروي القاص حكاية شخصية قصصية (بورتريهات).

- يرصد القاص تفاعل الشخصية النفسي والسلوكي في صراعها مع المجتمع وقيمه المتحولة والمائعة.

- ترد الأحداث متسلسلة بانتظام وتوازن محكمين.

- يصف القاص ويسرد ويبني الحوارات بتلقائية فائقة.

- يزاوج بين العربية الفصيحة والعامية المغربية/ والعامية المفصَّحة.

-  يختم القصة بالنهاية السريعة، كما يجب

. 

إدريس الخوري واحد من ثلاثة فرسان اختاروا الكتابة من مواقع حدودية، في زمن كانت فيه الكتابة الإبداعية ملتزمة بقضايا الفئات المحرومة وكادت تهمل وظيفتها الجمالية وهي تنخرط في فكرة التغيير، والفرسان ثلاثة هم: محمد زفزاف ومحمد شكري وكاتبنا إدريس الخوري. وله قولة جميلة في هذا السياق، تفيد أن: القصة القصيرة (الكتابة الإبداعية) لا ترتدي اللباس العسكري. أي أن الكتابة لا يمكنها القيام بغير مستطاعها، ولا يسعها أن تكون إلا ذاتها.

لقب الخوري في المغرب مثير للتساؤل، وقد اختاره القاص إدريس الدص اسماً أدبيا وكأنه منذ الوهلة التي بدأ فيها الكتابة قرر أن يكون كاتباً حقيقياً ومؤثراً في مسار الكتابة القصصية بالمغرب المعاصر والحديث. وهو بالفعل كاتب مميز، أو كما يقول هو ذاته "كاتب سبيسيال" ((Ecrivain spécial كاتب استثنائي بمميزات محلية كثيرة قوة الملاحظة، الأنفة، ارتفاع منسوب السخرية من كل شيء لديه، محبة مجالس الأنس، كراهية الادعاء، احتقار المتعاظمين. يكتب القصة القصيرة وقت يشاء من فكرة أو حالة أو وجه مميز أو حدث أساس شغل الناس.

الجلوس إلى إدريس الخوري لا يخلو من متعة وفائدة، فهو ملم بتاريخ الحركة الثقافية المغربية المعاصرة والحديثة، عارف بخفايا الكُتَّابِ وله لكل واحد منهم صفة ولقب، تختلف باختلاف حالاته المزاجية. قاموسه من النعوت غني يتنوع بحسب حال الرضا والضيق، فإدريس قادر على بث روح الدعابة في كل مجلس، ويقدره جل الكتاب بمختلف أعمارهم، ورغم بعض الصدامات التي "تنشب" بين الفينة والأخرى، إلا أن الجميع يقر بمكانته ودروه الريادي في ترسيخ الوعي بالكتابة، وفي تطوير كتابة القصة القصيرة، ويعترف زملاؤه من الصحافيين له بالحرفية ووضوح الرؤية ومنهجية تحليل الظواهر الاجتماعية والقضايا والإشكاليات السياسية المحلية والعربية والدولية. رؤيته ثاقبة وقوية نابعة من صدق ما يكتبه، ونابعة من انحيازه إلى الخصوصية والتفرد والاستقلالية، لم يكن إدريس الخوري تابعا في آرائه وفي كتاباته لنموذج سابق عليه، مختلف ومميز حتى عن رفيقيه الأقربين؛ محمد زفزاف ومحمد شكري (المرحومين) في طريقة الكتابة. 

الخوري واسع الثقافة ومتنوعها، تسنهويه الموسيقى والطعام والشراب وقراءة الناس والحياة المغربية اليومية. يحب السفر ويتجلى كل ذلك في كتاباته القصصية وفي حواراته ومقابلاته على صفحات الصحف والمجلات وعلى الشاشة الصغيرة. وهو معلمة ثقافية بارزة تنهض إلى جنب معالم عمرانية تاريخية مغربية تشهد على عبقرية العقلية المغربية.

شخصياً أكون سعيدا عند قراءة كتاباته، وأسعد عند الجلوس إليه في المناسبات التي يسنح بها الوقت ويجود بها الزمان الصعب والمجنون الملوث بالسرعة والقلق. لا يخلو مجلسه كما هي مجالس أغلب المثقفين من نميمة ثقافية وأدبية، وكذلك من شهادات صادقة تخص كتاباً أو كاتبات وبعض الكتب.

يقارن كثيراً بين حال الأدب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وحال الأدب والأدباء في نهاية القرن المنصرم وبداية الألفية الثالثة، وهو تصور موضوعي نظراً لتفوت التجارب واختلاف المؤثرات الموضوعية والمباشرة في كتابات الكتاب الجدد، فقد جرى ماء وفير تحت الجسر ووجد الكتاب الجدد أنفسهم وجهاً لوجه مع انهيارات عديدة وتغيير في كثير من المبادئ والقيم التي نشأوا عليها في البيوت والمدارس والجامعات وجمعيات المجتمع المدني، التي تخلت عنهم فجأة وسط صحراء ممتدة  من دون علامات طريق، وبلا آفاق ممكنة، وبغير هدف.

لم يكن الخوري وحده من اشتكى من هذه الوضعية، فقد كان يردد الشكوى ذاتها محمد زفزاف، وقد سمعتها منه، وما زلت أسمع صداها لدى كتاب آخرين.يعيبون على الجيل الجديد استهتاره بالموروث الفكري والثقافي والأدبي، واستخفافهم بخلاصة تجارب الكتاب السابقين عليهم، ورفضهم الكتابة على نهج وطريقة الأجيال السابقة، والمقصود جيل الخوري وزفزاف وشكري غيرهم ممن الرواد الذين كتبوا عن الواقع المحلي، وشرحوا ظواهره الاجتماعية وخالات أهله النفسية والسلوكية.

يمثل الخوري تجربة جيل مخضرم عاش تحت الحماية الفرنسية فتشبع بروح المقاومة وحب اللغة العربية، والإيمان القوي بالوطنية المغربية . شهد فترة بداية الاستقلال وما تبعها من طموح وأحلام كبيرة، وما ترتب عنها من صدامات ومشاحنات، متأثرا كباقي الكتاب والمثقفين بفكرة التغيير وضرورة التأثير في القرارات العليا، من أجل النهوض بالأوضاع الاجتماعية البائسة لمغاربة الهوامش، الذين شكلوا قواعد وروافد حركة تحرير المغرب من ربقة الاستعمار والقهر والفقر.

أخلص الخوري عكس رفيقيه في الدرب والتجربة للقصة القصيرة، في حين زاوج زفزاف و شكري بين كتابة القصة القصيرة والرواية، لكن هذا الميثاق القوي سيفك بعد إعلان الخوري أنه بصدد كتابة سيرته الذاتية الثقافية ولعلها ستكون غنية بالمفاجآت، وستكون شهادة على مرحلة مهمة من مراحل الثقافة المغربية والعربية، فالخوري كاتب صريح وفي جعبته العديد من الحكايات والأسرار الخاصة بالعديد من الكتاب المغاربة والعرب، وستكون سيرته الذاتية والثقافية، كما أتصورها، شهادة ثقافية تتضمن آراء الكاتب في حقيقة ما كتب وما يكتب الآن، وستتضمن آراءه في أهم القضايا التي تداولتها المنابر الثقافية المحلية والعربية كمفهوم التقليدية ومفهوم الحداثة وما بعدها، وقضية السياسي والثقافي، واقع الفنون والحقيقة المسكوت عنها في مجال الصباغة والفنون التشكيلية. ولا بد من الحديث عن جمعية مهمة من بين جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالكتاب وشؤونهم كاتحاد كتاب المغرب ما دام من بين الأوائل المنخرطين والمساهمين في نشاطاته، ومن بين المتتبعين لتاريخ تطوره وقريب من حقيقة الصراعات التي عاشها ويعيشها منذ العام 1968م.

إدريس الخوري كاتب استثنائي، مميز، متفرد، له خصوصيته، كاتب ذو نكهة خاصة، صريح يمقت الادعاء والمدعين، يكتب بعينيه الثاقبتين، مرتبط بحياة المغاربة البسطاء، خصب الخيال لكن ليس على حساب الحياة الحسية الحقيقية، يشع بذاكرة حية متوقدة تمشي بين الناس، محبوب، متهكم، ساخر، غير ضجر، بدون أوهام، يكتب بلغة خاصة بجمع بين الفصيح والدارج المحلي، في قصصه تجميد لحياة الناس وسلوكهم وحالاتهم بين الفرح واليأس، وبين الضعف والقوة.

يفضل الكثير من الكتاب من مختلف الأجيال مناداته "ابَّا ادْريسْ" رغم أنه يرفضها من غير أصدقائه، لكنني شخصيا أجد صعوبة في مجاراتهم فأناديه بالاسم الذي اختاره لنفسه: إدريس الخوري.    

*كاتب وناقد من المغرب