ابراهيم: "المركزية الغربية".. أطروحة صعبة ومصدر معلومات

جورج جحا*

المجلد الضخم يشكل جولة طويلة في كثير من الفكر الغربي وغير الغربي أحيانا، وهو في النهاية مصدر جيد للمعلومات.. وتبقى كلمة "لكن".

قد يشعر القارىء أحياناً بشيء من "الخوف"، إزاء المجلدات الضخمة التي يبدو من عنوانها أنها تسعى الى طرح نظرية أو نظريات أو دحض اخرى. وقد يتذكر البعض أمثالا شعبية مثل المثل الذي يقول بالمحكية اللبنانية "اللي بيكبر الحجر ما بيضرب" وهو يعني في بعض ما يعنيه، أن الذي ينتقي حجراً كبيراً ليرمي به بعيداً يعجز عن القائه كما يود.

عمل الكاتب والباحث العراقي المعروف الدكتور عبد الله ابراهيم، والذي حمل عنوانا هو "المركزية الغربية" يمثل دون شك جهداً كبيراً بذله الباحث، الذي عرف بأعمال عديدة واسعة النطاق منها مثلاً "موسوعة السرد العربي" وغيرها.

وقد أتى كتابه الجديد هذا سجلاً مكثفاً لأفكار وآراء فلسفية منذ القدم حتى أيامنا، وهو في هذا المجال - واذا اعتبرنا أن غايته هي "تعريفية" أي تعريف القارىء بهذه الأفكار، أو تقديم سجل مهم لا أفكار فلسفية- حقق غايته دون شك.

أما حين نعتبر أن الطرح الرئيسي في الكتاب، هو اظهار الشك او فلنقل رفض ما سمي "المركزية الغربية" فيبدو ان المجلد الضخم لم يأتنا بكثير من الجديد. ومن هنا الحديث عن الحجر الكبير والرماية.

كثير من النتائج التي توصل اليها الدكتور عبد الله ابراهيم -على عمق تفكيره وغزارة علمه- لم تكن جديدة في صلبها، وإن اختلفت الآراء في تفاصيلها أحيانا.

أما أهمية الكتاب الحقيقية فتبقى كما جاء سابقاً، في أنه جاء مجلدا تثقيفياً مفيدا على عدة مستويات. وهو هنا في بعض المجالات يشبه تلك الكتب التي تتناول تاريخ الفلسفة مثلا، وان كان المؤلف يتدخل فيه داعماً اتجاها أو رأياً أو رافضاً آخر.

الكتاب الذي صدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت وعن "دار الأمان" في الرباط في المغرب جاء في 477 صفحة كبيرة القطع،وتوزع على ثلاثة أبواب في كل منها فصول مختلفة فضلاً عن مدخل استغرق 61 صفحة.

ولابد من الإشارة بسرعة الى بعض محتويات الكتاب القيم دون شك.

في "مدخل" نجد معظم وجهات النظر التي طرحها ابراهيم الناقد والباحث والأستاذ الجامعي المتخصص في الدراسات الثقافية والسردية. بعض عناوين هذا الباب تشير الى ما فيه.

العنوان الرئيسي كان "المركزية الغربية - حيثيات المفهوم وإشكالاته" وفيه ستة أقسام هي "تمخضات تاريخية..كشف الآخر وهواجس الانتليجنسيا الغربية" و"تفرد الرؤى وخرافات الأصل.. قضية النقاء" و"الغرب الكوني وتعارض الانساق الثقافية" و"منهج الوحدة والاستمرارية وإعادة إنتاج الماضي" و"نهاية التاريخ..خلاصة فوكوياما" و"نقض مبدأ الاطراد..بوبر ونقض قانون الحتمية".

أما العناوين الرئيسية للأبواب الأخرى دون فصولها المختلفة، فهي "الركائز الفلسفية لنزعة التمركز الغربي" و"فلسفة الروح وبناء التمركز" و"التأصيل الفكري واصطناع المعجزة الاغريقية" و"نقد المركزية الغربية - استشعارات داخلية".

وعلى أهمية ما ورد هنا، فلا بد من القول إنه -إجمالاً- لم يحمل جديداً سواء في التحليل او عرض المعلومات، فكثير من ذلك هو من المعروف تماماً لدى من يهتم بهذه النواحي الفكرية. المقصود بهذا أنه لم يخرج برأي خاص يشكل إضافة الى ما سبق. أما فضله التثقيفي بالنسبة الى القراء عامة، فأمر لا يمكن إنكاره.

وقد يقول قائل -وربما عن حق- إن الباحث لم يدع أنه يقدم فهما جديداً أو تحليلا جديدا للمسائل التي عرضها، ولذا فلا يمكن محاسبته في هذا المجال. قد يكون هذا صحيحا لكن نهج عرض الموضوعات، وايحاءات ما رافق ذلك يوحيان بنقد يسعى الى تقديم قراءة خاصة، لكنه اكتفى بتقديم ما هو معروف سابقا.

هنا يعود الكتاب ككل ليحسب توثيقا فكريا تاريخيا، وعرضا لوجهات نظر مختلفة وإن بدا أنه يميل الى ترجيح بعضها. وهذا في حد ذاته عمل قيم.

يبدأ الدكتور ابراهيم كلامه في "المركزية الغربية - حيثيات المفهوم وإشكالياته" بالقول "يتعذر على وجه الدقة تحديد اللحظة التي ولد فيها مفهومان متلازمان هما.. "اوروبا" و"الغرب" والواقع أنهما من تمخضات تلك الحقبة الطويلة والمتقلبة التي يصطلح عليها "العصر الوسيط". الحقبة التي طورت جملة من العناصر الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية فاندمجت لتشكل هوية أوروبا.

وبانتهاء تلك الحقبة ظهر الى العيان مفهوم "الغرب" بأبعاده الدلالية الأولية، وسرعان ما ركب من المفهومين المذكورين مفهوم جديد هو "اوروبا الغربية"، هذا المفهوم ذو الدلالات المتموجة لم يمتثل أبدا للمعنى الجغرافي الذي يوحي به، فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينية.

ومن ثم ثبت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينية، على أنها ركائز قارة تشكل أسس هويتها، وغذى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة اشكالية هو "المركزية الغربية".

حبذا لو اتسع مجال كلام الدكتور ابراهيم -وهو حسب علمي من خلال الكتاب لم يفعل- لعرض بعض "البدائيات" والبدائيات قد تكون مهمة وتحاول ان تلقي أضواء أحيانا، وذلك على سبيل الذهاب بعيداً في الزمن ومن ذلك أسطورة قدموس اليوناية القديمة.

وقدموس الفينيقي هو ابن ملك صور. تقول الأسطورة -كما يعلم الدكتور ابراهيم دون شك ويعلم كثير من الناس- أن "زيوس" كبير الالهة أغرم بأوروب شقيقة قدموس وحاول استمالتها اليه فلم يفلح.

الأسطورة تشرح كما هو معلوم واقعاً، وهو انتقال الحروف الابجدية الفينيقية الصوتية الى اليونانيين القدامى. وهي أيضا تتناول أموراً أخرى منها نشؤ فكرة " الغرب" واسم اوروبا.

تمضي الأسطورة فتشرح كيف حول زيوس نفسه الى ثور وخطف "اوروب" واتجه بها غربا الى جبل الاولمب مقر الالهة وملعبهم. سأل قدموس عن اوروب والى أين ذهبت فأبلغوه فقصد اليونان محاولا -عبثا- اعادتها الى وطنها.

المهم في هذه "البدائيات" ان الغرب وأوروب وأوروبا لاحقاً شيء واحد كما يبدو.

والغرب هو جهة غروب الشمس فهي تغيب في البحر، والبحر يقع الى الغرب من الشاطيء الفينيقي. ويرى لغويون أن كلمات العربي والعبري والغرب والغروب اي المساء ومثيلتها "عريف" العبرية، هي ذات أصول مشتركة عند بعض الجماعات " السامية" ... والله أعلم كما يقال.

المهم في الامر أن المفهوم الجغرافي لكلمة غرب هو نسبي، أي نسبة الى مكان ما وهو هنا غرب الشاطيء الفينيقي.

أما ما جرى "فعلاً " وقد شرح الكتاب كثيراً منه، فشأن يدخل في عالم الواقع وتطوراته وأفكاره وفلسفاته.

في المحصلة النهائية، عمل الدكتور عبد الله ابراهيم مهم للقارىء العربي دون شك.

* كاتب من لبنان ( رويترز)