الفيلم الأسباني “أغورا”.. ملحمة بصرية تُعلي من شأن المعرفة

ناجح حسن*

يمتلك الفيلم الروائي الطويل المعنون "أغورا" للمخرج الأسباني التشيلي المولد اليخاندرو امينابار حرفيته وفرادته، من مجموع تلك العناصر الملحمية التي وفرتها الحقبة التاريخية التي تجري فيها أحداثه التي تعكس تحولات جذرية في المجتمع الإنساني في مدينة الإسكندرية إبان القرن الخامس الميلادي .

خلافاً لما تثيره عادةً أفلام الخفة والإثارة والتشويق،  فقد أثار موضوع الفيلم الكثير من أصداء الإعجاب، التي لا تخلو أحيانا من وجهات نظر مغايرة مثيرة للجدل، كالتي لاقتها عروضه في العديد من أرجاء العالم حين استقبله النقاد وعشاق السينما بحفاوة بالغة إبان تواجده الدائم في مهرجانات السينما العالمية .

راعى أمينابار في الكثير من تفاصيل الفيلم أجواء الحقبة التاريخية على الساحل الشمالي لمصر، وتحديداً مدينة الإسكندرية في نهاية عصر وبداية آخر، في تركيز شديد على عنصري المعرفة (العلم) والدين، دون أن يغفل مبادىء سامية تدعو الى التسامح، لكنه أيضا يوغل في تصويره محطات ومواقف عصيبة تتأسس على التطرف الديني، وما يقود إليه من دمار وعنف ونزعات الثأر والانتقام.

اختار صناع الفيلم تقديم لوحات ذات إبهار تاريخي،  بما يذكر المتلقي بتلك الأفلام الكبيرة التي حققتها هوليوود في فترتها الذهبية، عن الامبراطوريات الرومانية والإغريقية والفرعونية والصينية واليابانية واللاتينية، التي كانت تقدمها تلك في ميزانيات ضخمة من التمويل والانتاج التي توفرها كبرى الشركات الهوليوودية والتي غدت اليوم من ابرز كلاسيكيات السينما العالمية.

بيد أن فيلم "أغورا" الآتي من إنتاج مؤسسات مستقلة بميزانية تبدو ضخمة لفيلم أوروبي (50 مليون يورو) أنفقت على إحياء مدينة الإسكندرية في حقبة تاريخية، وما عاصرته من أحداث جسام يختلط فيها التطور المعماري الفتان والزاخر بديكورات مبهرة، تعود الى أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية.

يبرز الفيلم منارة ومكتبة الإسكندرية، وما تحتويه من وثائق وخرائط ومواد القياس العلمي ومخطوطات الكتب، إضافة الى المجاميع وهم في ملابسهم داخل أسواقهم أو في المدرجات، وفي مشاهد الالتحام الدامي الذي دارت بين الوثنيين واليهود من جهة والمسيحيين من جهة أخرى الآخذين في الانتشار والإمساك بالسلطة في أكثر من مكان بين آسيا وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا بما يعيد الذكير برواية عزازيل للكاتب المصري يوسف زيدان التي تناولت الحقبة ذاتها.

 

ذا المزيج من الأحداث يتمحور حول حياة فتاة تؤدي الدور الممثلة البريطانية ريتشل فايس، والى جوارها الممثل اشرف برهوم من فلسطين المحتلة العام 1948 ظهر في أفلام عالمية "جسد من الأكاذيب" عقب مشاركته بالفيلم الفلسطيني "الجنة الآن" لهاني أبو اسعد .. وهي تعمل في حقل العلم والفلسفة والمعرفة وتقدم فرضياتها العلمية وأفكارها في فترة بالغة الحساسية، حيث اصطدمت نظرياتها حول علم الفلك مع أولئك المعتنقين للدين الجديد.

 

 

 
يحتشد الفيلم الذي يذهب الى التاريخ ، بالكثير من الطروحات والإشارات الدالة التي يعيشها العالم المعاصر حالياً من تعصب وانغلاق وعدم تسامح وتنازع بين الثقافات، كأنه بذلك يشير الى ما كشفت عنه الأحداث الجسيمة التي عاصرها العالم في العقدين الأخيرين .

 

يفيض الفيلم  بمشاهد عنف ويصور المطاردات والملاحقات التي يقوم بها متعصبون وهم يحرقون ويقتلون كل من يختلفون معه بالرأي، ولا يتوانون أيضا عن حرق كتب ووثائق نفيسة عن الحضارات الأخرى المحفوظة في مكتبة الإسكندرية.  وقد راعى المخرج في تصويرها أدق التفاصيل التي تعري الانحدار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي وصلت إليه القوى الحاكمة.

 

يصل المخرج امينابار (37 عاما)  بهذا العمل مرتبة لائقة بين صناع السينما العالمية المكرسين، وهو الذي قدم سابقاً عدداً من الأفلام الثرية المضامين والأفكار والجماليات ومنها فيلم "الآخرون" الذي جرى اقتباسه لاحقا الى السينما الاميركية.

 

 رض فيلم "أغورا" في احتفاء كبير العام الماضي 2009 في مهرجان كان السينمائي الدولي، وقد استمد عنوانه من الساحة التي يجتمع بها القوم لتدارك الخطر أو التعاطي في أمر جلل يهم المجتمع.

 الى ميزاته هذه، يشكل الفيلم إضافة مهمة للسينما الأسبانية خاصة والأوروبية عموماً،  نظرا لبراعة المخرج في استلهامه التاريخ وإلمامه الدقيق بتفاصيل تلك الفترة بحرفية إبداعية تنهض على إدارته المتمكنة، في إثراء العمل بجماليات ومفاهيم درامية نضرة ترفد الجدل الدائر حالياً في الثقافات العالمية المعاصرة.

  كل ذلك يقدمه امينابار بمتعة وبهجة، رغم قتامة الأحداث وسوداويتها وسلوكيات شخوصه الشائنة تحت ستار الدين، كما يزخر العمل بصور ترسخ في الوجدان عن الفهم المغلوط للعلاقة بين الدين والعلم، وضرورة تبيان وتدارك اهمية المعرفة والحوار والسلوك الحضاري بين الأمم والثقافات.

* ناقد سينمائي من الأردن