قصص البستاني "الفوضى الرتيبة للوجود": التمرد وتعددية الأساليب

مثنى حامد* 

يقول رولان بارت في كتابه "لذة النص": "ما يجب على المرء أن يقوم به لقراءة كتاب اليوم ليس الالتهام ولا الابتلاع، ولكن الرعي بدقة والجز بعناية. يجب أن يكون المرء ارستقراطياً" . في مجموعة "الفوضى الرتيبة للوجود" للكاتب هشام البستاني، تواجهنا اللغة منذ البداية مقدمة لنا "نفسها" ليس كمرشد محايد، بل كحركة فعلية في الحدث لها ما للشخصيات القصصية من حضور فعلي.

اتسمت لغة البستاني بتعددية المعاني ، وعدم الوضوح الممجوج ، والولوج في بوابة الغموض الشائك  ما يؤدي إلى صعوبة في سبر أغوارها  أحيانا .

 كما ابتعدت الأدوات السردية لدى الكاتب عن منطقية السرد، عبر الانتقال المريح بين الأمكنة والأزمنة بلا تكلف ، ومن دون حتى محاولة للشرح ، مما جعل اللغة ذاتها تستأثر بالمتابعة والتشويق، على حساب السرد القصصي أحيانا،

حيثُ لا تقبل قصص البستاني الإذعان للجنس الأدبي التقليدي المتداول كثيرا. حيث  أن الحبكة الرتيبة ، وتلاحق الأفعال  والأشخاص  في غياب اللغة، هو المسيطر على مساحة القصة، ولهذا فالقفز عن بعض الفقرات ، أو قراءتها قراءة متعجلة ، بغية الوصول إلى النهاية لا يضر بالقصة التقليدية،  وذلك على العكس من قصص البستاني ، التي يدرك القارئ من الوهلة الأولى ، أن عليه التمهل، حيث يبدو جلياً له  أن المفردات مبنية بعضها على بعض، وأن سقوط أي مفردة سيكون له اثر سلبي على المتعة الجمالية للقراءة .. 
    يقرأ القارىء في قصة " سقوط حر في  مرآة مهشمة ": "حين أمسكَ بيدها دافعا إياها بخفةٍ إلى الوراء ، تفاجأ بأن الابتعاد لم يتوقف، بل كان _ لدهشته _ يتزايد إلى الجانب والى الوراء . نظر بطرف عينه  فرأى نصفه الآخر يبتعد بهدوء مع نصفها " كم أُشبهكِ " .

بهذا اتسمت لغة البستاني بالتمرد ، والجموح ، وهي توحي أكثر من ما تقرر  وذلك عبر الإشارة والانزياح ، وتأخير المعنى عن اللفظ.  وتعلو لغة الشعر أكثر  كما  في قصة " كأس من الفودكا على شاطئ البحر" حيث تتماها الحواجز بين القصة والقصيدة، لتشكل نوعاً ثالثاً يحمل من الجنسين، هذا الجنس الثالث هو ما أطلق عليه  القاص والناقد المصري  ادوارد الخراط مصطلح "القصة -القصيدة"  كجنس أدبي حديث.

يكتب البستاني في القصة ذاتها: "أغار من الشمس ، فهي تدخُلُكِ تَلجُكِ من كُلِّكِ، تتسرَّبُ من تحتِ جلدكِ وتبقى. وحين تعودين من لقائكِ الحارّ معها، تحملين معكِ آثارها الملتهبة لوقتٍ طويل".  

أما في قصة "اوركسترا" فتدخل القصة في لغة الشعر، دخولاً تاماً حتى أن الإيقاعات والأوزان الخليلية تطفو على السطح بيسر، ويمكن للقارئ تقطيعها  تقطيعاً عروضياً إذا أراد.  نقرأ في القصة " نَطَّتْ راقصةُ الباليه المنسابةُ قبل قليلٍ عن شفتيه ، سَبحَت في نهرِ النّارِ المُتلَوّي في أرض الغرفةِ كالحَيّة، طافت عاريةً في حرم الجسدِ الطافحِ بالرغبة" .

ولكن قد  تتغلب الواقعية أو المباشرة عليه كما في قصة " الفيصلي والوحدات" وهو ما تعمده الكاتب على الأرجح  ، فقد أراد أن يلقي علينا قصته  كمن يلقي بجيفة نتة بين قوم محتفلين . وقد كان لبعض الإسقاطات الرمزية أن تخفف قليلا من الوصف الواقعي المباشر، لولا درجة التطابق بين ما في القصة وما يعيشه القارئ الأردني خصوصاً .

لقد تحلى الكاتب بالشجاعة عند إشارته للحليب الأزرق، والحليب الأخضر الذي يشربه المتبارون من المشجعين، إظهارا منه لمدى تغلغل التعصب في نسيج المجتمع.

ولم يكتف الكاتب بصدمة العنوان الذي لم نتوقعه بمجموعة قصصية ،بل راح يسمي الأشياء باسمائها ، ويشير  إلى أصلها أو إلى من شجعها على الأقل،  حيث يضع الكاتب يده على الجرح مباشرة  خصوصاً في الحوار الذي يدور بين جلوب باشا ، وبين محمد حمد الحنيطي حيث يقول جلوب باشا مخاطبا محمد الحنيطي :" أنت أردني يا محمد بيك ما لك وللفلسطينيين " فيجيبه الحنيطي بإسلوب مباشر وبحرارة صادقة :" يا باشا انتم من رسمتم حدود هذه البلاد قبلكم ما كانت فلسطين ولا الأردن ولا لبنان .. دفاعي عن حيفا هو دفاع عن قريتي أبو علندا ".

حرارة الحوار جعلتنا نعتقد انه حوار حقيقي، ما دامت القصة تتكئ على سيرة بطل حقيقية . 
وفي قصة "عبور" يتكرر السؤال نفسه الذي سأله جلوب باشا، ولكن هذه المرة ليست من شخص أجنبي عدو ، بل هي من مسئول عربي يخاطب الوفد الأردني  الذاهب إلى غزة تحت الحصار قائلا :" انتم أردنيون ما دخلكم بغزة " ولا يجد الكاتب سوى إدراج أغنية شعبية وطنية بعد هذا التساؤل " يا راية شعبي المرفوعة " ، ويفشل الوفد في الذهاب إلى غزة .
يعيد الكاتب في قصصه تشكيل الواقع المعاش عبر تفكيكه وإظهار عوراته ثم إعادة تشكيل جديدة بطريقة قد تبدو للبعض عبثية ، أو بلا فائدة خصوصاً عند أولئك الذين  يبحثون دائما عن "الزبدة" أو المفيد ،  فالقالب الشكلي عند المؤلف لا يبتدئ أصالة بالمُتخيل ولكنه ينتهي به. 
إذ أن الواقع لديه هو الأساس ، ولكن فقط ليبني  عليه أحلاماً هو يعلم أنها ستبقى كذلك، لذا لا ينجر وراء الغرائبية واللا معقول ، مع أنه يحوم حولهما  كما في قصة " نقلة نوعية"  أو في قصة " كوابيس المدينة " حيث العمارة التي تسمع، ترى وتتكلم، لكنه سرعان ما يعود للمكان الواقعي والحياة  في مدينة عمان  .

 لهذا يمزج البستاني بين المؤلف صاحب القضية ، حيث الحضور الفعلي لأسماء المناضلين والأبطال ، وحتى أسماء الأماكن الجغرافية في عمان ، وبين المؤلف التجريبي حيث ليس للسرد أسلوب واحد عنده،  ففي حين تعلو نبرة " المونولوج" أحيانا ، ويظهر صوت المؤلف جلياً ومسيطراً على مساحة القصة ، نجد في المقابل قصصاً مبنية على التجريب ، والجموح نحو القصيدة عبر الإيجاز والكثافة والتركيز ، ولا نجد للإحداث بنياناً معقولاً . بل حتى أن فهم مدلولات القصة ليس بأهمية الشعور بها. 

قصص البستاني  بالجملة هي ردة فعل إزاء عالم عربي متخلف ، وخانع ، وهو يستعمل لغة متمردة للدلالة على الضيق الذي أوجدته نمطية المجتمع ، ففي قصة "سقوط حر في مرآة مهشمة " أحلام فتاة تصطدم بواقع قاسٍ متخلف يرفض سفرها، يصف الكاتب يوم الفتاة دعاء _التي تتحسسُ جسدها عندما تفيق لتتأكد أنها لا تزال هي _ بهذه العبارة :" حين فَتحَت الباب ، كان الجميع يتحلُّقون حول طاولة الإفطار: الأب والأم والإخوة والأخوات والجيران والحارة والمدينة كلها".
 الإحباط نفسه يتكرر عند بطلة قصة " الانكسار البطيء للقيود " حيث تواجه البطلة برفض المجتمع والعائلة والجيران والأقارب لسفرها لمدينة بودابست، حتى الأب المناضل السابق يستسلم لنظرة المجتمع بخصوص سفر المرأة  للخارج .

ذه الانكسارات دفعت الكاتب -كما دفعت قبله الشاعر مظفر النواب- إلى استعمال كلمات نابية قد يراها البعض بلا مبرر ، بينما أرى أنها تنحو منحى ثورياً ، وطريقة لكسر التابوت فمنذ الصفحة الأولى يصف الكاتب شجار زوجين بعبارات مثل  "يا بنت الكلب"، " يا منحط".

لكن أقسى الاتهامات هي التي يوجهها الكاتب للمثقفين، على اعتبار أنهم "خانوا الأمانة التي يجب أن يضطلعوا بها ، ومارسوا زيفا عبر تقنعهم بقناعات زائفة ، وكانوا  أداة من أدواة التخلف" .

اتهام المثقفين ليس انتقائيا عند الكاتب، بل هو بدون استثناء ، حتى أن قارئ الكتاب نفسه يبدو شريكا في الإثم أيضا ،على اعتبار انه جزء من الحالة الثقافية " .

وفي صياغته الشكلية استعان الكاتب بالهامش بطريقة ملفتة للنظر ، فهو لم يستعمل الهامش كجزء من القصة،  فلا يوجد رقم عند كلمة معينة  يحيل في الأسفل الى شرح أو تعليق ، بل نحن نتفا جاً بالهامش عند نهاية القصة ، وأحيانا تكون الهوامش إيذانا بنهاية القصة . وهذا ما يذكرنا ربما برواية غسان كنفاني التي لم تكتمل " برقوق نيسان"، ولكن الهامش في رواية كنفاني  كان عنصر رئيسيا في الرواية عبر تكوين خلفية لماضي الشخصيات . أما الهامش عند البستاني هو فقط إيضاح لأسماء ومعانٍ أحيانا تكون علمية بحتة، وهذه الخلفية الثقافية التي توضحها الهوامش لا تزيد شيئا للقصة ولكنها تزيد معرفة للقارئ .

يحيي المؤلف ذكر أسماء وطنية وعربية وعالمية كان لها دور في ما مضى في المقاومة والتغيير، وهذه الأسماء التي نسي الجيل الجديد بعض منها،  أو كلها يعيد البستاني ليس التكلم عنها فقط بالقصص ، والهوامش فقط  ، بل ونشر صورها أيضا . ربما بدافع رد الجميل  حينا ، و ربما لحب الكاتب بالتغيير حينا آخر . وهي أسماء حري بها أن تحفر في جدار الزمن ، أسماء مثل  كايد المفلح العبيدات ، احمد المجالي ، زياد طناش ، فراس العجلوني ، محمد بيك حمد الحنيطي ، دلال المغربي ، القسام ، سعيد العاص ، راشيل كوري.

قسم الكاتب مجموعته القصصية إلى أربع مجموعات هي: اضطراب، غزة ، العبور ، وكأنه حلم  ، وضم تحت كل عنوان من هذه العناوين الأربعة قصتين أو ثلاث باستثناء" اضطراب" حيث ضم العنوان اثنتي عشرة قصة . المجموعة  صادرة منشورات دار الفارابي. وقد أهدى  الكاتب كتابه "إلى ذلك الواقف في المرآة يبحث عن عريه خلف الأسئلة".

 

* قاص وكاتب من الأردن