قصص "العناصر" لمحمد شكر: واقع يمور باللاجدوى

محمد محقق*

تحمل المجموعة القصصية '' العناصر''للكاتب المغربي محمد شكر بمضامينها ومحتوياتها الحكائية، مجابهة عنيفة مع واقع لا يقبل المهادنة أو الاختزال، فالأحزان تعتري يوميات الناس الفارغة من المعنى،  والتي تحتشد بتفاصيل اليومي الصعب ومؤشرات الموت البطيء.. والمشاهد التصويرية لا تعبر العين، إلا وتثير شغف التحديق في شريطها السلبي حيث الصور تختزن احتدام الدلالات وأبعادها. صور تفرض نفسها لأنها تتلمس الحسي والملموس في بنائها..كما يظهر قدر من الانطوائية في محاورة الذات المهددة بمشاعر اليأس والموت.

تقوم المجموعة على التأمل والاستغراق في أفكار محورها الذات والوجود ورصد الواقع الذي يمور بالسخرية و اللا جدوى .

(سيرة حزن مستديم ينفضح كاشفا عورتنا جميعا ويتقيأ كل يوم حزنا وموتا مكرور...) جثامين ص11

يعكس العنوان انكسار الأشخاص الذين يقذفهم البحر كسلع انتهت صلاحيتها في لحظة من لحظات ضعفهم في معترك أمواجه الهائجة المقترنة بالمخاطر جراء العواصف العاتية التي تمثل مصادر قلق وخوف لكافة الناس مع احتياجاتهم لخيرات البحر الوفيرة، الذي صوره السارد منتصرا لهؤلاء المتعطشين لعبوره للضفة الأخرى عبر قوارب متهرئة ،ونتيجة ضعفهم في مواجهة جبروته وقسوته تكون النتيجة سلب أرواحهم ا وإطفاء شمعة أملهم في الوصول إلى حيث العيش الرغيد و النعمة المنتظرة، لكن هيهات  فالرياح جرت بما لا تشتهيه سفنهم القديمة المتهالكة.

والسارد في قصته هاته يسعى إلى إبراز العوامل التي كانت سببا في ما يلفظه البحر من جثامين،  وهي الهجرة السرية عبر قوارب الموت فرارا من البطالة المتفشية في واقع أدى بكثير منهم إلى العيش في متاهات فقر مدقع لم تترك لهم خيارا سوى المغادرة إلى عالم الأحلام، لتفادي المعاناة اللانهائية، إضافة إلى معاينتهم لمن أكرمه الله في غربته عائدا إلى أرض موطنه ومظاهر الثراءبادية عليه ، دون نسيان عامل القرب الجغرافي لأوروبا ما يحفزهم أكثر لهذه المغامرة القاتلة التي تبيد أكثرهم دون رحمة أو شفقة .

ثم يسترسل السارد في جداول الاحتضان المجنون حيث المتح من سيمفونية موسيقى ، والسارد هنا يحلق بالقارئ ليذكره أن اللغة هي الوسيط الحامل للتراث تمثلا واستيعابا و إغناء وإبداعا وأنها مسكن الذات حسب تعبير هايدغر،((رمز الماء يمتزج وجدانيا برموز متعارضة فيما بينها كالولادة والموت ، إنه جوهر ملئ بتذكارات العرافات وأحلام اليقظة)  والسارد يتأمل البعد الوجودي للمرأة والماء والغناء في إشارة لهذه الثلاثية أنها إيقاع حركية العالم والمشاركة في إشعاعه ووجه التشابه بين  عناصرهذه الثلاثية أن المرأة طاقة متفجرة من المشاعر التي تدفع الإنسان/ الرجل إلى أن يحيا من جديد، وكذا الماء الذي هو أصل الوجود ، والغناء يحرير اللغة من محدوديتها فهو جوهر لا يستغنى عنه مثله مثل المرأة والماء ا.. وإذا اعتبر السارد الماء/ الخمر فإنه عندما يقع الرجل بالخمر فإنه يصبح عبداً للزجاجة وكذا عشقه للمرأة يجعله لا يقاوم عطرها وسيطرتها، مهما تظاهر بالكبرياء والشموخ

(في حضرة المرأة والماء تنخسف اللغة ، فكيف إن كان هناك غناء ، غناء حقيقي ينبع من ذوات متجذرة في الأرض كأنها امتداد  للتلال الحاضنة هذا الخلاء) ماء ص14 

ثم ينتقل السارد من رمزية الماء إلى رمزية التراب، حيث يعبر السارد عن مدى علاقة الروح الحميمة بالجسد الترابي عبر صور معبرة  ومسنونة وهو يتذكر حضن أمه الحنون وهي لحظة من اللحظات الصعبة والمشحونة بكل ألم الدنيا  ((تنقصه شجاعة الوقوف إلى القبر والتحديق في الشاهدة لتهجي اسم الأم التي عجنت أيامه بميسمها البسيط العميق)العودة إلى هناك ص63

والملاحظ من القصة أن السارد تتأرجح حياته بين البحث عن الأمن والطمأنينة و نسيان وتجنب الألم ، حين يشير إلى مسألة حتمية هي مشكلة الموت القابع في أعماق النفوس .. ثم يعرج السارد بالمتلقي عبر رمزية الهواء الذي امتد على مساحة واسعة يبحث فيها عن خلاصه من الالتصاق بالأرض و السمو فوقها لتجاوز وتخطي جاذبيتها متخيلا أن له أجنحة عصفور وهو يحلق في السماء ليزرع في الآخر بذور التمرد على الأرض ء...((تمدد فوقه (السرير المطاطي) ونام...نام كما لم ينم قبلا رائيا في درج رأسه أنه استحال إلى عصفور ملون جميل، حلق بجناحيه الصغيرين الرائعين في السماء بعيدا عن الأرض)) سرير على الهواء ص42

هنا يلاحظ القارئ أن السارد اعتمد على عنصر الخيال الذي هو سيد عناصر الابداع ليؤجج الواقعة الموصوفة ويربطها بثنايا الحدث مكسوة بمسحة جمالية،

ثم ينقله من خلال هذه الرؤية التصويرية إلى مفردات الواقع في الريف ومشكلات التعليم فيه.

 "كانوا متأكدين من نزق ولدهم ومن إخلالا ته بواجبه في مهنته التي دفعوه إليها دفعا، هو الذي كان مفتونا بصوته وبأضواء الإستديوهات  والشهرة الكاسحة، يجد نفسه مرميا في أتون خلاء لا يرحم... وبما أنه راوغهم أكثر من مرة حتى وصل الإشعار بالانقطاع عن العمل إلى المنزل ، فهاموا بحثا عنه ليعيدوه إلى جدران حجرته هناك، فقد أصبحوا يطلبون منه عند مها تفته إسماعهم صوت الصغار عبر نشيد كورالي محكم، بصوت جهوري : ''صباح الخير''، عندها فقط تنشرح أسارير محيا أمه عبر كل ذبذبات النأي والبعد لأنها وحدها كانت تعرف لظى العمل.) صباح الخير ص 41

هذا النص السردي يفضح إخلال الأسرة / الأصل عندما تكره أبناءها على السير ضدا على اهتماماتهم وميولا تهم الأمر الذي يؤدي بالأبناء/ الفرع ، إلى عدم مجاراة ضغط الوظيفة غير المرغوبة من جهة وإلى الغياب المتكرر المفضي إلى الانقطاع أو العزل ، والقصة دعوة للاستماع والإنصات إلى رغبات الأبناء بدل فرض الرأي الواحد عليهم وإلى المشاورة بدل الاستبداد.

 والقصة يبرز فيها التعامل النفسي مع المكان لدى الشخصية المغتربة داخل الوطن لذا تراها تهرع إلى معالجة نفسها بإشباع حنينها الداخلي إلى مدينتها الأصلية متوثبة متحركة متجاوزة نمطها الذي يمنحها امتدادا وعمقا نتيجة ما تلمسه في ذلك المكان من عتمة وجرح وضياع وسجن وغربة ... وهذا هيكل عام لحياة تتمحور حول مفصل أساسي وهو الصراع بكل أبعاده وتحدياته

ونتائجه.

ثم ينتقل السارد بالقارئ عبر سفينة الحياة يبحر به في متاهاتها :

(تقلى في فراشه على نار خامدة ، حاذى عبرها كل المسالك المتشابكة مما دفع به إلى أن يعفط على دواخله ويحمل الفأس متجها رأسا لقلع ظلال الخرافة من جذورها) الشجرة ص 59 

هذه المحادثة النفسية الافتتاحية تعكس واقع الذات بمختلف مكوناتها الداخلية التي تبحث عن البوح بالمكنون، ولم يجد السارد/ البطل أمامه سوى هذا الحوار مع نفسه ، ليتمكن من إقناعها أنه على صواب، والمتأمل في المصير الذي يبحث عنه المبعوث الجديد، لايرقى إليه الشك في أنه المصير الموازى الداخلي الذي يبحث عنه كل من هو على شاكلته، صراع بلا طائل من أجل البحث عن كرامة ضائعة  احتوتها ظلال الخرافة والتي وجب بترها  وزرع  شجرة المعرفة والخصوبة الطبيعية لتسلق درجات القمة والخيرات والجمال الأنثوي  نواة التواصل والاستمرار البشري...

من خلال هذه القصة يحتفظ السارد في جميع هذه الحالات بنواة دلالية دائمة تنبض في السياقات وتغذي مفاهيمها التي تحيل على معان متعددة..

ثم ينقل السارد المتلقي  إلى فضاء الحلم ، المتنفس لعذابات النفس الحالمة وهي تبحث عن أرض خصبة لحرثها)"الحلم نداء السماء، رسالتها المشفرة التي ترمي بها إلى القلوب التي تِؤمن بأسطورتها الشخصية .

حكى لزوجته ما رأى ، مابين إغماضة جفن وبريق بسمة منتصرة ، أسرت له أن عادتها الشهرية تأخرت ).

إن المجموعة القصصية ''العناصر'' هي في منزلة وثيقة اجتماعية مستوحاة من الواقع المغربي تترجم مأساة الإنسان في علاقته بمحيطه ، مشكلا من أحداثها بناء فنيا محكما.

والعلاقة الإسنادية بين هذه العناصر الأربعة جعلت من المجموعة تجربة فريدة وازنت بين تكوين السارد وفكره، وما طرحه من رؤى انعكس فيها الواقع المستهدف معالجته بشتى تلاوينه. 

 

* قاص وكاتب من المغرب