الشاعر الكردي لقمان محمد رشيد نزيف طوعي

لقمان محمود*
قطع الشعر الكردي الحديث، أشواطاً مهمة في الإرتفاع بحداثة القصيدة الكردية، بما يشكل قيمة حقيقية للإبداع، ما من شأنه فتح نوافذ الثقافة – بعضها على بعض – بين الشعوب، من أجل الإرتقاء بالثقافة الشعرية، التي تؤكد قدرة الشعوب على الحياة، وعلى الزهو بلغتها القومية. سنمضي  هنا مع مجموعة "شجرة صفصاف في طريق عودتي" للشاعر لقمان محمد رشيد (منشورات: إتحاد الأدباء الكرد – فرع السليمانية 2011) كنموذج لهذا الشعر الحديث.

   لعلّ إختلاف وظيفة الشعر ومصادره في هذه المجموعة، لم يُخرج الشاعر عن موضوعه المألوف وهو الحب،  الذي يبقى هاجساً مرافقاً لكلماته، وإن إختلف أسلوبه بعض الاختلاف في التعاطي معه، وتقديمه برؤية جديدة.

   ابتداء من عنوان المجموعة "شجرة صفصاف في طريق عودتي"  تبقى الأشياء عند حدودها العينية، طالما ينظر إليها الشاعر من طرفٍ معلوم، قائم على تفعيل الحواس لإلتقاط الإشارات التي يبثها هذا التواصل، من خلال إستبدال الذهني بالحسي، والعاقل بغير العاقل.    وهي حيلة شعرية ترتكز على شروط تجليها على أرض الواقع، حيث لم يستطع الشاعر أن يتخلص من ضغط الحضور التاريخي الحزين لهذه الشجرة الطاهرة – النقية، في قيمتها الرمزية المتجهة إلى الطبيعة الأولى، سوى بالانتقال من مفهوم التاريخ إلى مفهوم الذاكرة، وذلك بتبديل الرموز على إشاراتها الثابتة:

في السابق

كنتُ أكتب القصائد

لنساءٍ عابرات

ألتقيهنَّ في طريق عودتي.

أما الآن

فأكتب القصائد

لإمرأةٍ من الصفصاف

غير عابئ

ببقية النساء، وببقية الأشجار.

   هذه القصيدة، كغيرها من قصائد المجموعة، مكتوبة بغير عنوان، كوسيلة مناسبة للاستمرار في مساحتها الخاصة، وتخليصها من عاديتها، ونقلها بإتجاه القصيدة – الديوان.    وارتباطاً بما سبق، تقوم هذه القصائد مجتمعة على ابراز ذات الشاعر، بوصفها محور المجموعة الشعرية.

   أمام هذه الحقيقة، يبدأ الشاعر لقمان محمد رشيد من الرغبة في سرد تفاصيل وجزئيات المشهد الحياتي، الذي ينتمي إليه، وهو بذلك يركّب حالة شعرية شديدة الانفعال، تعبّر لا شعورياً عن انجاز رغبة مكبوتة، تداعب نشوة القصيدة التي سوف تُكتب:

يأتي الليل

بكل ما في الظلام من خديعة

فأنا من شعراء الصبر العنيف

أعضُّ على سيجارتي

أكثر مما أرغب

كنشوة أبدية

لقصيدتي العذراء

التي لن تكتب أبداً.

   إنّ أول ما يسترعي الانتباه في هذه القصيدة، هو أنها تخلق أنموذجها الخاص، لتؤدي وظيفتها الخالصة داخل أنساق تعبيرية جديدة، تتناغم مع "يوتوبيا" الحلم، التي يستحيل الإمساك بها.  ومن ذلك يتبدى أن للشاعر رؤيته الخاصة للقصيدة - الحلم، بما يترتب عنها من صبر متسق بذاكرة العنف، وفق مستويات "العض" ودلالاته المتعددة.

   في هذا الوعي الحسي، ينكسر مألوف اللغة، ويستحيل الواقع إلى واقع شعري:

في آخر الليل

ثمة قصيدة

تلمُّ كلماتها

رويداً

رويداً

ثمّ.. ترحل.

   لخصوصية هذه الحالة المسالمة، عالم كتيم يعتصم خلف نزيف "طوعي" تسببه جروح "الحب" الخاضعة لعدة تأويلات، تأخذ أكثر من صيغة ودلالة. فالجروح هنا مباشرة وغير مباشرة، سافرة ومقنّعة، مادية ومعنوية، شاملة و محدودة، ذاتية يمارسها الشاعر على نفسه، وموضوعية تأتيه من الخارج. حيث يتوضح كل ذلك في هذا المقطع، من القصيدة نفسها:

طوبى لكِ

يا ابنة الخريفِ

ها هو قلبي

قد أصبح مزهرية

وأنتِ فيه.

طوبى لكِ

يا ابنة الحرب

ها هو قلبي

قد أصبح وطناً

وأنتِ قائدته.

   إنه إبقاء للحالة الشاعرية في قلقها الرومانسي الشجي، المتمثلة في البعد الانساني، ذي اللحظات القليلة التي يستيقظ فيها الوعي تلمساً للحقيقة، وكشفاً لأسرار الحبيبة.

   في مجموعة "شجرة صفصاف في طريق عودتي" سرّب الشاعر هذه الأسرار إلى كل قصائد المجموعة، لتتحول الحالة الشعرية إلى إمرأة أبعد من حضورها الظاهري.

منشورات: إتحاد الأدباء الكرد – فرع السليمانية 2011.

 

* أديب من كردستان/ العراق.