خيري شلبي: الرابعة فجراً، شَرِبَ اللبَنَ وجاءه الموت مبتسماً

 هشام علوان*
أي ميتة مجيدة تلك، وأنت جالس على طاولة مكتبك .. تمسك قلمك، وتكتب. يأتيك الموت مبتسماً، فتخرج روحك فرحة بهدوء يليق بجلال الكتابة، وكان القلم في يدك.

 

قبلها داعبتَ زوجتك ببعض الحكايات والمواقف المضحكة، ووعدت حفيدك بطعام جاهز من مطعم يحبه، واتصلت بصديق عمرك، ومناوشك الأكبر إبراهيم أصلان  تسأله عن اسم الجزء الثالث من الكوميديا الإلهية ، يجيبك غير متأكد أنه ( المطهر) تتشكك في الإجابة ، ربما لم يمهلك الأجل لتعرف أنه ( الفردوس  paradiso ).

كانت الرابعة فجراً حين أنهيت مكالمتك.  أغلقت سمّاعة الهاتف، والموت يُحوّم فوق رأسك المتعب، ربما تعاطف معك ولم يفسد طقسك اليومي، ليمنحك الفرصة الأخيرة لتشرب اللبن كطفل وديع  يسمع كلام أمه الطيبة،  بعد أن تحكي له حدوتة قبل النوم، تتركه لأحلامه الوردية  فترتسم على وجهه ابتسامة خفيفة، وربما ساخرة.

سأحاول أن أكثف ما أريد قوله في مشاهد  تشبه لقطات السينما، التي أعرف أنك كنت تحبها ، وربما تغريك المشاهدة  فتنفلت روحك لتأتي متفرجاً علينا، مستمتعاً بعبثية القصة ، وجنون تلاحق الأحداث على شاشة عرض الحياة !. 

***

 تماماً كفيلم روائي قصير  قليل المشاهد، أعلق بتركيز شديد على التفاصيل  التي – قد - يسكن الشيطان فيها، أحياناً يكون الحياد خيانة، والموضوعية إثم. أتوقف عند لحظة من الزمن ، ربما في أواخر الثمانينيات  حين قرأت  "الوتد ".  لم يبهرني النص كما أبهر كثيرين من أقراني وقتها، سواء كان مكتوباً ، أو عندما تحوّل لعمل درامي في ما بعد . شعرت لوهلة أنني أمام عمل مقلوب لثلاثية نجيب محفوظ ، فاطمة ثعلبة في  "الوتد"  امرأة قوية متسلطة  تسيطر على أسرتها، وتتحكم في مصائرهم ، تقابلها شخصية السيد أحمد عبد الجواد في الثـلاثية ، بالقوة نفسها والعنفوان ذاته ، زوج ثعلبة المنكسر الضعيف هو نفسه صورة بشكل ما لأمينة بضعفها وقلة حيلتها، وهوانها على ( سي السيد ) .

كنت معجباً أكثر بـ  "بغلة العرش" ، نص طازج  يستلهم التراث الشعبي الشفاهي ، ليعيد تدويره وطرحه من جديد. فكرة النص  واللغة – رغم ترهلها أحياناً – تبدو عجائبية ، ربما كانت الرواية الأقرب لتطبيق الواقعية السحرية ذات الصبغة المصرية ، بأساطير القرية الريفية العميقة  لدرجة جعلته يتمادى في مزج الواقع بالفانتازي ، وأخرج لنا في نهاية الرواية ( البغلة ) كما يُخرج الحاوي الأرنب من المنديل، لتصير حقيقة تمشي بين الزروع ، يرقبها الناس في جرأة تليق بكاتب كبير.    

كانت حواراتي مع الصديق الشاعر والناقد شريف رزق عن خيري شلبي المبدع والإنسان، تأخذ قسطاً كبيراً من الحديث في لقاءات قليلة عابرة، حين كنت أزوره في منوف.

يتحدث شريف عن خيري شلبي بإعجاب شديد، وبنوة صادقة ، حين كان يشغل رئاسة تحرير مجلة "الشعر"، وكان أحياناً يُكلف رزق بإعداد ملفات عن شعراء بأعينهم ، وقتها كان شريف قد انتهى من ملف عن نزار قباني ،وكم كانت سعادته عندما كان الراحل خيري شلبي يكلمه على هاتف ناظر المدرسة، التي يعمل بها شريف، فيكسبه هالة من السحر، وتنتفخ أوداجه فخراً أمام زملائه من المدرسين حين يعرفون أن زميلهم، يصـادق الأكابر في القاهـرة،  يحدثونه على هاتف  حضرة الناظر. ربما استغلها شريف في ميكافيلية نبيلة، ليهرب من الحصص الأولى أو الاحتياطية، أو يفوّت طابور الصباح الممل. الناظر نفسه سيتردد ألف مرة ، قبل أن يُكلّفه بأي حصص إضافية، تجهده وتبدد طاقته الشعرية المشعة ذات الحضور الآسر، كانت لفتات إنسانية  حدثني عنها شريف رزق بفخار شديد، ولم أكن أعرف خيري شلبي شخصياً أو التقيتُ به. 

***

 

في شهر ديسمبر من عام 2002  صدرت روايتي الثانية  "تحوّل الكائنات "  عن مكتبة الأسرة ، كانت أول طبعة . أعطيت النص مخطوطاً للصديقة المبدعة سهير المصادفة  ليصدر ضمن سلسلة  "كتابات جديدة " ، التي كانت ترأس تحريرها ، لكنها فاجأتني وأسعدتني أيضاً بصدور الرواية ضمن إصدارات مكتبة الأسرة ، وكنت في هيئة الكتاب، واستلمت منها أول خمس نسخ من العمل. كنت سعيداً جداً  وأنا خارج من الهيئة، وجدته أمامي  بقميصه الكاروهات – ربما القميص نفسه الذي كان يرتديه حين اعترض طريق صنع الله إبراهيم ، ليصافحه بحرارة ، ويصفق له بشدة  حين ترك المنصة رافضاً جائزة الرواية – كيف قرأ الفرحة في عيني ، نظـر إلي فصـافحته، وأعطيته نسـخة منها، أمسك بها.. تحسسها  وابتسم :

- لسه سُخنة !

قلت له :

- أول نسخة لك .

تفحصها ، ووجدها كبيرة ،  قال :

- نَفَسَك في الكتابة طويل يا هشام . 

ابتسمت ولم أعلق ، وضعها وسط مجموعة من الكتب يحملها، ثم تأبطها جميعاً  وقال :

- سأقرأها . 

صافحته وانصرفت .

أخبرني بعض الأصدقاء أنه أشاد بها ، خاصة أن أجزاء كثيرة منها تدور في الريف ، وتستلهم تراثاً شعبياً ،  نالت قسطاً من الاهتمام النقدي ، كتب عنها: إبراهيم فتحي ، ورمضان بسطاويسي، ومجدي توفيق ، ومدحت الجيار، وعادل عوض، وحاتم عبد العظيم ، والبهاء حسين، وحسن نور، ومحمد عبد الحافظ ناصف .. وغيرهم .

واتصل بي المبدع الرائع صبري موسى ، من دون سابق معرفة ، حتى إنني لم ألتق به مطلقاً ، وظل لمدة نصف ساعة يحدثني عنها  بسعادة ومحبة حقيقية .

الأمر نفسه  تكرر مع الشاعر  سمير عبد الباقي ، وأعجبه استلهام الموروث الشعبي ، وتوظيفه جيداً في النص، وكذلك الفنان صلاح بيصار رغم أنني لا أعرفه ولم نلتق مطلقاً.

لكن العم خيري لم يتصل بي  رغم انتظاري لمكالمته. لم أغضب لذلك إذ تكفيني نظرة الفرح الطفولية في عينيه، وهو يقلب فيها على سُلم هيئة الكتاب .

 

***

 

مشهد آخر يتجلى فيه الراحل الكبير، وتظهر إنسانيته، عندما كُلفت ببرنامج إذاعي رمضاني قصير في آوائل 2004 ، كانت فكرته تدور عن حكايات الغرام، واتصلت به.

شرحت له الفكرة فرحب، ثم فاجأني :

- هل لديك سيارة ؟

ضحكت ، وقلت :

- يسمع منك ربنا !

قال لي :

- إن شاء الله تزورني قريباً بسيارتك الجديدة .

وللأمانة  لم يتركني حتى أخبرني كيف أصل إلى منزله في المعادي الجديدة، لدرجة أنه أعطاني رقم الميني باص ، الذي سأستقله من عبد المنعم رياض ، ومحطة نزولي عند عمارة  "كاربت سيتي"  .   

استقبلني عند الباب بحفاوة ابن قرية لم تغيره المدينة، واصطحبني بحميمية إلى الداخل ، كانت الشقة جديدة  حسبما عرفت أنه انتقل إليها منذ وقت ليس ببعيد. 

الأثاث بسيط لكنه جميل ومريح ، تزينّت الحوائط بصور عديدة ، ربما لفت انتباهي صورة وضعها في صدر صالونه، لتبـدو في مواجـهة الجالـسين والضيوف، لرجل تبدو عليه الهيبة  يرتدي حلة سوداء أنيقة، وكان يعتمر طربوشاً، وتحت الصورة مكتوب: أحمد أفندي شلبي .

عرفت أنه والده الذي كان يعتز به جداً،  يتحدث عنه كأسطورة ، وأنه مدين له بالكثير، خاصة في مرحلة التكوين الأولي لثقافته المتعددة .

كان في الصالون أربعة كُتّاب شبان، عرفني عليهم ، وهم : حمـدي أبو خليل، وخالد إسماعيل، وشاب آخر بشوش الوجه – للأسف لا يحضرني اسمه – وسعيد نوح  الذي كان يجهز عدة سجائر.. يفكها ببراعة، ويعيد لفها مرة أخرى .

كان الراحل خيري شلبي يتحدث عن رواية " موبي ديك" ، ويعيد قراءتها بطريقته الجميلة، وصوته العميق، البعض كان منتبهاً، والآخر ملهي بتتبع لفائف نوح.

استأذن من الصحبة.  أخذني إلى الشرفة  وبدأنا الحوار ( مازلت محتفظاً به حتى الآن ). قال لي إن  حكاية غرامه مع ... 

ثم قام واقفاً  وأخرج قلماً عجيباً جميلاً ، ثم سكت سكتة لطيفة، تشوق المستمع وقال بصوت رزين :

- القلم .

بعد التسجيل  قلت له إنني انتهيت من  "صهاريج اللؤلؤ" ، وناقشته فيها. كان يعلق على رأيي باهتمامٍ شديد، وسألني :

- هل قرأت  "موال البيات و الموت " ؟

قلت له إنني بحثت عنها ولم أجدها في الهيئة أو المكتبات ، أخبرني أنه سيعطيني نسخة منها :

- "بس وانت ماشي ، علشان الغجر دول ما يشبطوش فيها" .

شربت الشاي بالنعناع ، وطلب مني البقاء واستكمال السهرة لو أردت ، لكنني اعتذرت. كنت أرغب في البقاء ، وكان ورائي ( مونتاج ) ، وكثير من التفاهات اللذيذة ، التي حذر الراحل علي الراعي منها فاروق شوشة حين التحق بالعمل في الإذاعة. 

***

 غالباً كنا في بدايات 2003 . لا أعرف من أخبرني بمرضه ، وأنه نُقل إلى المستشفى ، ربما كان ابنه زين أو ابنته إيمان.. لا أذكر ، ما الذي جعلني متلهفاً لرؤيته.

أتذكر تلك الليلة. ، كان الجو بارداً  وقد اصطحبت زوجتي نجلاء علام  بعد أن أودعنا ابننا محمد لدى جدته. صممت نجلاء على شراء علبة شوكولاته. كنت أفضل الورود ، لكنني سكت ، لأنها تفهم في هذه الأمور أفضل مني. بدأت زخات المطر لاسعة، تلفح وجوهنا مع الهواء القارس، فلذنا بتاكسي حملنا إلى مستشفى السلام الدولي. 

اتصلت بزين العابدين على المحمول ، فأخبرني برقم الغرفة.

صعدنا إلى غرفته  فاستقبلنا زين وكان الراحل ممدداً على السرير. صافحنا بحرارة  وجلس مسنداً ظهره إلى وسادة وضعها زين خلف ظهره. 

كان سعيداً جداً ، وبدا وقد نسي آلام القولون والأمعاء. بدأ الحكي قائلاً لنجلاء :

- اتأخرتِ علي كتير يا نجلاء ، أنتِ كاتبة ممتازة ، وعينك بتلقط المشهد كويس.

تحدث معنا عن قصص قرأها لنجلاء نُشرت في "نصف الدنيا "، وأخرى قرأها في "الحياة" . كانت ذاكرته مدهشة ، وبديهته حاضرة حتى في المرض، ثم تكلمنا في أمور عديدة ، وانساب حكيه في تدفق. شعرت بإشفاق عليه، لأنه مريض ولا نريد أن نثقل عليه ، غمزني زين، وأخبرني هامساً أن ننتظر قليلاً لأنه بـ ( يَخِفْ ) عندما يحكي وينسى آلام المرض، تواصلنا معاً لعدة أيام حتى خرج معافى من المستشفى.  

 

***

 

في الثاني من أكتوبر 2010، قرأت مقالاً لك بـ"الأهرام" أغضبني جداً  وأحزنني.  كان تحت عنوان :  "مصر في بعث جديد"  تتحدث فيه عن لقائك بالمخلوع ، أنت ومجموعة من المثقفين. ما الذي ورّطك في الأمر يا عم خيري ، وأنت الكاتب الكبير ، بصراحة .. مزّقت المقال، وحنقت عليك جداً .. لا أدري لماذا ؟ رغم وجود آخرين معك في اللقاء، تَغَزّلوا في المخلوع غزلاً صريحاً وقميئاً، لم يحترموا شرف الكلمة وطهر الحرف. لم يكن لائقاً بك أن تكون بينهم، هل أحرجك زكريا عزمي، و ألَحَّ عليك بسماجته المعهودة ؟ ، كان من الممكن أن تدعي المرض ، وسيسامحك الله على هذه الكذبة ، وربما أعطاك من فيض حسناته. لم تكن تعييك الحيلة يا عم خيري ، فنحن الفلاحين لدينا بعض المكر والخبث المباح ، نظهره كسلاح خفي في الوقت المناسب.

أنت لم تداهن أحداً أو تمسح جوخاً  لصاحب نفوذ.  كانت زلة منك حاولت محوها والتبرؤ منها بعدئذ حين قلت :

« إنني أشدد على استمرار محاكمة مبارك. ولو أنه حكم عليه بالإعدام في حالة إدانته سيكون شيئاً عظيماً ». ( " الأخبار" 26 / 4 / 2011).

ولم تكتفِ بذلك ، ربما أردت التطهر من مقالك السابق، عندما أجبت عن سؤال "أخبار الأدب": هل توقعت كل هذا الكم من الفساد؟ فقلت: « أنا كنت أراه، وما خفي أكثر مما تم كشفه ». (15 / 5 / 2011).

وددتُ أن أرفع سمّاعة الهاتف، لأقول لك كلمة واحدة ، هي :

- لماذا ؟

فقط !. 

* * *

 سامحنا يا عم خيري، تندرنا عليك كثيراً أيها الشاب السبعيني. كنا نقول: 

- كيف يكتب كل هذه الأعمال ؟.

حسدناك وغبطناك على هذا التدفق ومطاوعة القلم لك، ونحن إذا صدرت لنا  (نوفيللا ) أو رواية، نملأ الدنيا ضجيجاً وصخباً، في حين لا تكترث أنت سوى بالكتابة.

خضنا فيك. أعرف أنك كنت تبتسم عندما تسمع بأحاديثنا، ويطمئن فؤادك لما تكتب. لا أعرف من القائل الذي روى عنك تلك العبارة، أو ربما أعرف ولا أريد إحراجه :

- سبعون كتاباً ولا جائزة !.

ثم توالت عليك الجوائز وأنت تستحقها. حَزِنْتَ لعدم فوزك بالبوكر العربية رغم جدارتك بها، وتأثرتُ لحزنك حين قابلتك في مؤتمر الرواية الأخير في القاهرة ، والكل يطيّب خاطرك ، وأنت تبتسم  وتواري في عينيك حزناً ما.

كنا في جلسة الافتتاح ، تكلم عماد أبو غازي كلاماً بروتوكولياً عاماً، وتحدث جابر عصفور عن بداية الرواية، وأكد في حسم أن فن الرواية شامي بجدارة. ثم تحدث عنك، وذكر كتاباتك بما يليق بها، وكيف أن هناك جملاً تبدو شعرية في أعمالك. كنتُ أعرف أنك بدأت حياتك شاعراً ، وزَجّالاً ، تكتب قصصاً موزونة بالعامية، تنصلتَ منها في ما بعد .

أنا لا أثق في عصفور، وقلت في حوارٍ أجراه معي الصديق الشاعر والكاتب بشير عيّاد ، ونُشر بمجلة "الوطن العربي"  التي تصدر من باريس :

- فرقة ( حسب الله ) النقدية أفسدت الحركة الإبداعية.

كنت أقصده بـ ( حسب الله ). ذكرته لمزاً ثم تصريحاً بعد ذلك، كان الحوار بمناسبة فوزي بجائزة " الصدى للمبدعين العرب"  – تغيّر اسمها بعد ذلك لجائزة دبي الثقافية – وجائزة الشارقة للإبداع العربي ، و الحوار منشور في العدد :1418 ، الجمعة : 7 / 5 / 2004 .

قلتُ أيضاً في الحوار نفسه : 

" كل مبدع شاب يتصوّر أنه لابد أن يكون له شيخ يأخذ منه – أو عنه – عهد الرواية ، لو تخلصنا من هذه العقدة ، لصرنا أنداداً لبعض الكبار"  .

سعدتُ بكلام عصفور عنك، جاء على سبيل رد الاعتبار لك، أحياناً ينطقُ الباطلُ بما تهوى. كان المسرح مكتظاً بالمبدعين من كل أنحاء الوطن العربي، هذه هي جائزتك الحقيقية يا عم خيري .. المَحَبة .

لا أعرف من همس لنا في الأتيلييه ذات ثلاثاء، وقال إن أحد أصدقائك المقربين نصحك أن تعيد مراجعة رواياتك قبل نشرها، فرددت عليه قائلاً :

- أنا لسه ح أراجع .. على ما اراجعها أكون كتبت رواية ثانية !.

أنا لا أصدق ذلك ،لأنني أعرف أن المبدع الحقيقي يعشق كتاباته ويحترمها، ولن يدفع بنشرها إلا عندما يرضى عنها.

ذكر لي شاعر وصحفي صديق،  تلك القصة والعهدة عليه ، قال :

- إن باحثة في الدراسات العليا، حددت موعداً معك أنت وإبراهيم أصلان، للحصول على أعمالكما الكاملة للإفادة منها في أطروحتها العلمية، فأعطاها أصلان مظروفاً صغيراً  به كل أعماله، وحين توجهت إليك لتطالبك بأعمالك، قلت لها :

- لا .. أنتِ محتاجة عربية نص نقل، علشان تقدري تشيلي أعمالي .

ابتسم أصلان ، ولأن ( القافية تحكم ) قال في خباثة :

- هو أنت بتغلب يا خيري .. خد لك جنب وألِّف لها رواية دلوقت !.

اعتبرتُ القصة برمتها، مُزحة .. قالها شاعر يكتب قصيدة النثر نكاية بك، لأنه يعرف مدى حنقك على كثيرين ممن يكتبونها، وكنت شجاعاً عندما صرّحت بذلك، ولم تخش من ميليشياتهم المسلحة.

كثيرون ممن خاضوا فيك بكوك بشـدة، ربمـا لأنهم يعرفون قـدرك بحق، وجاءت مناوشاتهم من خلف ظهرك على سبيل الدعابة، ربما غيرة من نتاجك المتدفق، وحيويتك التي تفوق عشرة منهم .. فسامحنا من فضلك ، حتى لا أشعر بإثم يحوك في صدري.

عن نفسي لن أخوض مرة أخرى، إلا قراءة في إبداعك، ولن أقعد في مجلس يَنّمُ فيك، حتى يسكتوا أو يخوضوا في حديث غيره .  

***

في التاسع من سبتمبر 2011 ، استيقظت مبكراً ، ومتأهباً لجمعة تحديد المسار. 

لا أعرف ما الذي دفعني للدخول على الإنترنت في هذا الصباح ، عادةً ما أدخل ليلاً . أشعر أن  النت  كائن ليلي لا يناسبه الصباح .

فاجأني خبر رحيلك كما كنتَ تفاجئنا بكتاباتك، قررتَ الرحيل في تلك الجمعة. كأنك حددتَ مسارك ، وعرفتَ طريقك. شَرِبتَ كوب لبنك ، وابتسمتَ للموت الذي جاءك وأنت تكتبُ. مِتَ كما لم تكن تتخيل يا عم خيري ، مُمسكاً بمعشوقك القلم.

في التحرير توافد الناس فرادى وجماعات. البعض تذكّرك بالخير وتَرّحَم عليك، وآخرون لم يصدقوا.  اعتقدوها شائعة أطلقها الفلول ، لكنني كنتُ مُنشغلاً عن الجميع  بالتحديق في السماء، مراقباً تلك السحابة البيضاء  قادمةً من بعيد كنتف الثلج.  رأيتُ وجهك مُطلاً منها، تنظرُ إلينا وتبتسم، أو ربما هُيئ لي. 

 

* أديب وإعلامي من مصر.