ريم بسيوني تجمع النقائض في روايتها "الحب على الطريقة العربية" مزيج الحب والسياسة

حلمي النمنم
الحب على الطريقة العربية يشغل الباحثين والدارسين كما يشغل المبدعين من روائيين وشعراء وجعلت منه ريم بسيوني موضوع روايتها الأخيرة "الحب على الطريقة العربية". الكاتبة ابنة مدينة الإسكندرية تعمل أستاذاً للغة والأدب العربي بجامعة جورج تاون الأميركية، وفي روايتها الأخيرة كما في رواياتها السابقة عناصر واضحة منها الحضور القوي لمدينة الإسكندرية وهموم المواطنة المغتربة في الولايات المتحدة أو المجتمع الغربي، ثم عوامل الاحتكاك والتضاغط داخل الأبطال بين ما هو عربي، إسلامي وما هو غربي صرف في العادات والتقاليد، فضلاً عن المكونات الشخصية.

الرواية التي بين أيدينا تدور حول “صفاء الدمنهوري” فتاة سكندرية تخرجت في الجامعة وخطبت لزميل لها “محمود” الذي تبين لها انه بخيل جدا ينصت كثيرا لنصائح والدته وتدخلاتها، هي لم تحبه لهذا السبب بينما أسرتها لم تنشرح له بسبب البخل، خاصة في تجهيز بيت الزوجية وانتهى الأمر بفسخ الخطبة، كان لديها طموح أن يعمل زوجها في “دبي” وتسافر معه وتصبح لديها خادمة ماليزية تقوم بأعمال البيت، وتنطلق بنا الرواية من الإسكندرية وحي الإبراهيمية تحديدا إلى الولايات المتحدة حيث تسافر “صفاء” إلى شقيقها المهندس الذي يعمل في واشنطن وكانت المشكلة أمامها هي زوجة أخيها “أمل”، فلم تكن هي تحب “أمل” ولا “أمل” أحبتها، وبينهما المناكفات العادية بين الفتيات أو زوجة الشقيق الوحيد وشقيقته.

في الولايات المتحدة تنفتح أمامنا عوالم عديدة منها التربص في مطار نيويورك بكل من هو عربي، مسلم، شرقي، فقد تعرفت البطلة بسيدة أميركية لمست فيها عشقا لمصر وللمصريين، وبكرم قدمت لها “صفاء” تي شيرت يحمل رسوما فرعونية سعدت به الأميركية وانصرفت لكن بعد خطوات أغمي عليها وأصيبت بأزمة قلبية فاستدعيت للتحقيق، فقد كان هناك شك في أنها قامت بعمل إرهابي ما تجاه السيدة الأميركية، وبعد اتصالات وتدخل من شاب لبناني يعمل في واشنطن ولديه شركة خاصة أخلي سبيلها. الشاب اللبناني هو المهندس “نبيل” الذي تدور حوله هو و”صفاء” الرواية.
“نبيل نصار” الشاب اللبناني يرتبط بـ “صفاء” ويخطبها فيحاول شقيقها أن يمنع ذلك الارتباط لشكوك عميقة لديه في “نبيل”، ليس فقط بسبب تعدد علاقاته النسائية، بل أيضا بسبب غموض علاقاته الأمنية والسياسية، فقد كان على علاقة بـ “سي. أي ايه” لكن “صفاء” ترفض اعتراضات شقيقها وتتزوج “نبيل” ويقام الزواج في مصر، وكان الزواج مشروطا منه بألا تتدخل في عمله ولا تسأله عن أي شيء، ويخرجان في رحلة إلى كندا، وهناك يتضح لها الكثير من الأمور، فقد كان يرتب للعودة إلى جنوب لبنان - مسقط رأسه - لاغتيال وزير لبناني، لأن الوزير متهم بالتعامل مع الإسرائيليين، وتحاول ان تمنع الجريمة وان تتصدى له، وتعده إرهابيا، ويسافران معا الى جنوب لبنان، وتصورت أنها ستفاتح والدته لتمنعه، وحاولت فهددها بالقتل إن حاولت ذلك مرة ثانية.

في جنوب لبنان تعرفت على الحقيقة، هذا الشاب قُتل شقيقه داخل منزله بفعل غارة إسرائيلية على البيت وقتل آخرون من الجيران وأفراد الأسرة، القرية في الجنوب قريبة من إسرائيل، لذا فالغارات متكررة والهجوم متواصل، واضطر هو للهرب فسافر إلى ألمانيا، ثم أميركا، ولأنه خرج بلا مؤهلات ولا إمكانيات، اضطر إلى بعض الممارسات غير المقبولة كأن يتزوج من سيدة أوروبية مسنة كي يحصل من خلال هذا الزواج على الإقامة، وهكذا، لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التعامل مع الجهات الأمنية، وفي كل ذلك لم يكن بعيدا عن هموم بلده ومجتمعه، تحديدا قضية الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب اللبناني.

في الرواية ولع بإجراء المقابلات والمواجهات بين الثنائيات المتضادة مثلا “زينة” صديقة “صفاء” مسيحية أردنية تعيش في واشنطن وتعمل في نفس الشركة التي يمتلكها “نبيل نصار”، والفتاة تقع في حب شاب أميركي يهودي، هو أيضا يبادلها الحب، ويحدث حوار بين “زينة” و”صفاء” في هذا الأمر، وما يهم “زينة” انه ليس صهيونيا ولا إسرائيليا، المشكلة أن أسرتها في عمان ترفض هذا الارتباط وتحديدا والدها، أما الشاب الذي تحبه فإن أسرته أيضا ترفض ارتباطه بها، هم يهود ومتزمتون، ولا يريدون لابنهم ان يتزوج بفتاة من غير دينه، وتحدث الخلافات وينتهي الأمر بأن الشاب يصر على اختياره ويقنع والد “زينة” أو يوافق مضطرا، فابنته تعيش في الغربة وحدها، ويمكن ان تفعل أي شيء إذا أرادت، باختصار خرجت من نطاق سلطته المباشرة.

هذه الثنائيات المتضادة تزول مع ازدياد التفاهم واقتراب المشاعر والمعنى أن العمق الإنساني أهم ويتجاوز الخلافات التقليدية، الدينية أو المذهبية، ولنقل كذلك الإقليمية، حين أرادت “صفاء” ان ترتبط بـ “نبيل” اعترض شقيقها في البداية واعترض بعض من تعرفهم وكان السبب هو الخلاف بين الشخصيتين فقط، وتركيبة كل منهما هو لا يريد لأحد ان يغوص في أعماله وخبايا تصرفاته وهي بطبيعتها فضولية.

تمتلك الروائية لغة أدبية ناصعة وسلسة، بلا أي تعقيد، ولديها قدرة على الوقوف أمام الكثير من التفاصيل، وتمتلك كذلك حسا في الربط بين الأحداث والأشياء، ولديها أيضا قدر من التهكم والسخرية العذبة التي تضيف الى العمل جمالا وتزيده سلاسة.

ربما كانت الرواية تستحق عنوانا آخر غير عنوانها، لأن العنوان الحالي لا يعكس كل ما في الرواية أو أهم ما فيها، صحيح أن الحب تيمة أساسية في العمل لكن العنوان يوحي للوهلة الأولى بأننا أمام رواية عاطفية، رومانسية، تقليدية.

 

عن "الاتحاد" الاماراتية