هل اقتبس كونديرا روايته "الجهل" من "سداسية" حبيبي؟

أسامة العيسة*

من بين أعمال إميل حبيبي المتعددة، تكتسب المتتالية القصصية "سُداسية الأيام الستة"، التي عدّها بعض النقاد رواية، أهمية استثنائية في مسيرته الإبداعية. وكان حبيبي نشرها مسلسلة في مجلة "الجديد" الحيفاوية وكان يوقع بكنيته "أبو سلام". حبيبي المنهمك آنذاك بالعمل السياسي، فوجىء كما يبدو باهتمام العالم العربي بهذه السداسية،  ما جعله يأخذ حرفة الأدب (حسب التعبير الأثير لديه)، على محمل الجد، فصدرت "السداسية" في طبعات متعددة، وأصبحت أحد أهم الأعمال الإبداعية عن الهزيمة العربية الثانية المدوية، التي يصطلح عليها بالنكسة. وكانت فاتحة كُتبه المنشورة.

وفي فترة لاحقة، طغت شهرة "لمتشائل" على "السداسية"، لكن بالنسبة لكثيرين من متابعي أدب حبيبي، فإنهم يعتبرونها من أجمل أعماله، وهي تعرض لوحات عن نماذج فلسطينية بعد حرب حزيران، تُعبر عن نوازع إنسانية عامة.

قصص "السداسية" مُتفردة، بأسلوبها ولغتها وموضوعاتها، وتبرز من بينها قصة أشد فرادة وهي التي حملت عنوان "وأخيرا نوّر اللوز".يتناول فيها  جانباً من سيرة شخص رمز له بـ الأستاذ "م" ولعله قصد، بهذا التنكير الإشارة إلى حالة "عامة".

يذهب الأستاذ "م"، بعد احتلال الضفة الغربية في حزيران 1967، ليزور الأماكن التي حُرم منها، ويصل ما انقطع مع الأصدقاء الذين عرفهم، بعد عشرين عاماً من النكبة. يتذكر وهو يتفقد الأماكن بشكل تفصيلي، أن صديقا له أحب امرأة، وأنه نسي مَنّ هو هذا الشخص، بطل قصة الحب الرومانسية التي أنهتها النكبة (عام 1948 )، فأصبح الحبيب في مكان، والحبيبة في مكان أخر.

نسي الأستاذ "م" أنّه مَنّ كان بطل قصة الحب الرومانسية تلك، ورغم أنّه زار بيت حبيبته، ورأى غصن اللوز الذي أعطاه إياها ذكرى لحبهما، إلا أنّه لم يذكرها ولم يتذكر سبب احتفاظها بالغصن عشرين عاما.

إذا لم تكنّ النكبات والحروب هي مَنّ تغيرنا، وتسطو على ذاكرتنا، فمن بإمكانه أن يفعل ذلك بكل هذه السطوة.

النسيان غير العضوي، الذي يحدث بفعل قوة غير ملموسة، باطشة، تمسخ الذاكرة، هي الثيمة التي عالجها حبيبي، في قصته  التي تحمل أبعادا إنسانية رحبة.

بعد أعوام من نشر حببي لسداسيته عام 1967م، يأتي الروائي ميلان كونديرا، الكاتب التشيكي-الفرنسي، المنفي في فرنسا، الشيوعي المنشق، ، ليكتب روايته "الجهل" وهي عن عودة بطليها في إجازة إلى تشيكوسلوفاكيا بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، إثر هجرتهما منها بعد ربيع براغ، الذي أجهضته الدبابات السوفيتية.

يلتقي الاثنان مصادفة في المطار، تتذكر المرأة حبيبها السابق، بينما نسي هو قصة الحب الجامحة التي عاشها يوماً ما معها، قبل الاختيار الطوعي للمنفى.

يلتقي الاثنان في غرفة فندق في بلدهما الذي عادا إليه، لكنها عودة مبتسرة، ناقصة، ومختلة، ورغم التقائهما في ممارسة حميمة، إلا أنها لم تفلح في إيقاظ ذكريات الرجل، بينما تصاب المرأة بصدمة عندما تدرك أن شريكها لا يذكرها أبدا، ولم يعرفها.

التشابه واضح في عملي حبيبي وكونديرا، أهمها بالطبع ثيمة النسيان المشتركة بفعل عامل غير محسوس، والتي التقطها حبيبي فكتب إحدى أجمل قصصه، أما كونديرا فنسج عليها رواية، تُرجمت إلى لغات عدة، ولقيت اهتماماً واسع النطاق حول العالم.

ويمكن لدارسي الأدب المقارن أن يعثروا على تشابهات أخرى في العملين:

* بطل حبيبي الذي بقيّ في أرضه تحت حكم دولة إسرائيل، يُعاني الخوف والغربة في وطنه، يعود ليتفقد ما فقده بسبب الحرب، بعد عشرين عاما من الاقتلاع، لكنها عودة تحت ظل الاحتلال الذي توسع وانتصر، وتمدد ليشمل فلسطين الانتدابية. أما لدى كونديرا فإن بطليه اللذين كوّنا حياتيهما في المنفى، وأصبحا ينتميان إليه، بشكل غير مكتمل، يعانيان من الخوف والغربة، ويعودان بعد عشرين عاماً إلى تشيكوسلوفاكيا الجديدة، الرأسمالية، التي تغيرت في أيام، في عودة أيضا ناقصة. فتبدو غير الوطن الذي تركاه.

* في قصة حبيبي، البطل هو مَنّ ينسى قصة الحب، في حين تحتفظ المرأة بذاكرتها، وتُدهش من نسيان حبيبها. وفي رواية كونديرا، الرجل هو مَنّ يصاب بالنسيان أيضاً، والمرأة هي التي تتذكر، تُدهش وتُصدم.

* عمد كونديرا، الى تضمين روايته فقرات عن عوليس وعودته إلى مسقط رأسه ايثاكا. ويتطرق إلى أعمال أدبية أخرى لها علاقة بالعودة، العودة الرمزية، والفعلية.

حبيبي أيضا ضَمّن قصته القصيرة، إحالات لأعمال كلاسيكية مثل "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، و"أحدب نوتردام" لفكتور هيجو.

*في رواية كونديرا، تحرص المرأة، وهي تختار المنفى، أن تحتفظ بمنفضة سجائر، تُذكرها بلحظات جمعتها مع حبيبها، وعندما تريها له، يبقي عصياً على التذكر، وفي قصة حبيبي، تحتفظ الحبيبة بغصن اللوز، الذي ينساه تماماً الأستاذ "م".

كتب حبيبي قصته وهو في ذروة انتمائه الأرثوذكسي للشيوعية، وكتب كونديرا روايته وهو معادٍ للشيوعية، ومع ذلك فان التشابه بين العملين يلفت النظر، وليس معلوماً إذا كان كونديرا قد استفاد فعلا من قصة حبيبي، التي ترجمت إلى الفرنسية (كما يذكر مؤلفها في الطبعة السابعة التي صدرت عام 1985، في حيفا).

ربما المسألة تتعلق بتوارد خواطر بين كاتبين كبيرين، أو لعلها أكثر من ذلك، ما قد يثير اهتمام باحث في الأدب المقارن فيكشف لنا المزيد.

 

* كاتب من فلسطين.