الاعتراف

علي دنيف حسن* 

ما كان له أن يطأ تل الصفيح لولا حبه لـ سمر. لولا انعدام الوسائل والطرق التي تسمح بطلاقها من زوجها. لاشك انها الآن ترش الماء على الزهور في حديقة منزلها الفخم، لا تعرف ما يدبر لها. بطلاقها من زوجها، ستكون الفرص سانحة أكثر لكي يتزوجها هو. لم يبق أمامه غير أن يخترق أزقة الحي المحاطة بالنفايات، أن يجتاز سواقيه الآسنة، وأن تتابع عيناه أسراب ذباب الخريف المنتشر في كل مكان. ما أن ترجل من سيارته، حتى سمع صوت حمار ينهق من بعيد، ثم نهق الآخر على مسافة قريبة منه. كان الحمار يجر عربة بعجلتين يقودها طفلان متسخان، أحدهما يعلو وجهه النمش والغبار. تمعن في العربة التي تسير ببطء وهي تجتاز السواقي المتشعبة بين البيوت. أعاقت السواقي تقدم سيارته، فركنها عند أطراف الحي، قرب جدار مبني بالطين والطابوق، نشرت عليه ملابس أطفال كثيرة، شاحبة الألوان، مختلفة الأحجام، وتنتظر الجفاف تحت الشمس. تأكد من وجود مسدسه الثقيل في مكانه داخل السيارة. اقفل أبوابها، وتركها ليحط  الذباب على جميع أجزائها باستثناء غطاء المحرك، فقد كان ساخناً إلى درجة كبيرة. كان ذباب الخريف يغطي الجدران، يملأ الهواء، يركض مع الأطفال الحفاة حيث يلعبون، يتطاير من الأرض المرشوشة بمياه الغسيل على المارة، ويتبعهم في الشمس والظلال.

 سار حذراً ومتوجساً بين الكلاب التي تنام ساكنة في ظلال جدران الطين. اجتاز طفلة رثة الملابس، شعثاء الشعر، حافية القدمين، تلوك من رغيف خبز اسمر، وتتبع امرأة نحيفة، شاحبة الوجه، تحمل على رأسها قدراً كبيراً يتساقط منه الماء على عبائتها السوداء. فتحت الكثير من الأبواب والنوافذ. أطلت رؤوس بشرية، حدقت عيونها بالزائر الغريب، عجائز، نساء، رجال وأطفال. ربما قال أحدهم لنفسه: مازال هناك من يتذكر محلتنا المنسية على خاصرة العاصمة، بعيداً عن القلب فيزورها مبكرا.

تملك  احمد القصاب  شعور بالزهو، وبالعلو والفخار، وهو يرى اهتمام الأهالي بشخصه، ويلمس افتتانهم بسيارته ذات الطراز الحديث. بحلق الكثيرون في وجهه الأحمر، وشعره الأسود الكثيف، اللامع بدهان خفيف، وبعينيه الجاحظتين، وحاجبيه الغليظين. تحاشى أطفال يلعبون بكرة قدم مثقوبة، خشية أن تمس الكرة المبللة بالمياه الآسنة ملابسه. وسوس له إنه تجاوز حدود العقل والمنطق.

 لا أمل له بامتلاك  سمر إلا بطلاقها من زوجها. عليه إذن فعل ذلك مهما كانت النتائج، وحتى لو تم تحقيقه على يد رجل يسكن هذا المكان الوضيع. إن ذلك من عجائب الدنيا، متى تنقلب الدنيا إذن؟.

وقارن بين أوضاع هذا الحي والآخر الذي يسكنه، شتان مابين حي الجنائن وتل الصفيح.

وفاجأه طفل صغير ترك اللعب مع أقرانه وتوجه إليه متسائلاً:

ـ هل أدلك على بيت ملا صالح؟

وابتسم على الرغم من غرابة المفاجأة:

ـ ومن قال لك أني ابحث عن ملا صالح؟

رد الطفل وهو يبتسم:

ـ كل الغرباء أصحاب الملابس الجديدة يأتون لزيارة الملا فقط.

وأومأ برأسه دليلاً على الموافقة، فهرول الطفل يسبقه بخطوات عديدة. كان يتقافز ويغني أغاني شائعة، بكلمات مخطوءة تثير الضحك.

انعطف الطفل في زقاق ضيق، وتطايرت أسراب ذباب، عندما مس الطفل بيده ظهر حمار كان مربوطاً بشباك صغير لأحد البيوت.

بصق القصاب قطعة من اللبان كان يلوكها لعلها تطرد رائحة خمر الليلة الماضية.

واقترب الطفل من بيت يقع على يمين الزقاق. كان  البيت بسيطاً بواجهة واطئة، فدفع بابه الخشبي الملطخ بالحناء، وولج فيه من دون أن يقول شيئاً.

وقبل أن يفكر بما عساه أن يفعل، أخرج الطفل رأسه من الباب مرحباً :

ـ تفضل، هذا بيت ملا صالح ثم فتح الطفل الباب وهرول داخل فناء البيت. ووجد القصاب نفسه مضطراً للدخول. فحنى قامته المديدة وخطا إلى الداخل. كان البيت مبنياً بمختلف مواد البناء باستثناء القضبان الحديدية، فقد استعيض عنها بجذوع النخيل والأشجار والحصران والسعف لتسقيف الغرف.

وسحبت امرأة شابة نحيلة بملابس سوداء طفلها من يده، ودخلت الغرفة الصغيرة التي كانت تجلس على بابها. كان الطفل شبه عار إلا من قميص بلون قهوائي مفتوح الأزرار. كانت الغرفة تقع على اليسار في نهاية المنزل، تقابلها غرفة اكبر منها على اليمين. ووجد القصاب نفسه يتجه نحوها تلقائياً، بعد أن ترك خلفه فسيلة نخل مهملة على اليسار، وحمام بسيط على اليمين، وضعت عليه ستارة من قماش سميك بدلاً من الباب، وحطت حمامة بيضاء على طرف سطح الغرفة يتبعها صبي أسمر بثياب رثة للإمساك بها.

لم يعد يفكر بالطفل الذي قاده الى المنزل. شاهد عشرات الأحذية الرجالية والنسائية ملقاة عند باب الغرفة، وبدأت رائحة البخور المتطايرة من الغرفة تداعب احلامه بالخلاص القريب.

كانت اغلب الأحذية عتيقة، متهرئة، وقد رتقت وأصلحت أكثر من مرة، الا أن هناك زوجين نسائيين يبدوان جديدين.وسمع وهو يكاد يطل على الجالسين في الغرفة، صوتاً مبحوحاً متأزماً يتجلى واضحاً وسط الصمت:

ـ هل اختفت الملكة ؟ طيب وقصرها...هل تراه أم لا ؟.

فجأة ارتفعت الهمهمات والهمسات وهو يطل على الجالسين.لم يبالوا باطلالته عليهم، فبدا حائراً مرتبكاً.

كانت الأصوات تبدو خائفة، مرتبكة وخافتة، تختفي للحظة ثم تتضح من جديد. تتكرر وتزداد ارتفاعاً. بدأ يميز الأشكال الخارجية للجالسين. قطع عليه حيرته وارتباكه رجل أشار اليه، ففهم أن عليه التقدم والجلوس بجانبه، فخلع حذاءه ودخل.

ألقى التحية، لكن تحيته الخجولة ضاعت في جو الارتباك العام.

كان الضوء داخل الغرفة قليلاً عما هو عليه في الخارج، اذ كان لها شباك صغير واحد فقط، ومع هذا استطاع ان يميز صديقه الملا من بين الجالسين. كان يرتدي جلباباً أبيض واسعاً، وهو يجلس بين صفين أحدهما للرجال والآخر للنساء.

كان الجميع يجلسون على بسط وحصران قديمة، متآكلة، شاحبة الألوان. لكنها تبدو نظيفة وكأنها غسلت البارحة. وبدت الغرفة مستطيلة الشكل، جلس الرجال فيها بمواجهة النساء. وعلى الأرض في الركن البعيد عن الباب إلى اليمين جلس الملا خلف مكتب صغير من خشب الساج بلون قهوائي مصفر، فيما تحاول مروحة أرضية تقع خلفه، رفد الجميع بنسمات متعبة من الهواء.

كانت أعين الجميع الحيرى المتلهفة مسلطة على  طفل صغير عصبت عيناه بعصابة من القماش الابيض، كان يجلس بين يدي الملا، وقطرات من العرق الشفاف تلمع على أنفه وخديه.

وخاطب الملا الطفل بتوجس:

ـ ها.. ألا ترى شيئاً الآن؟.

أجابه الطفل بصوت مرتبك:

ـ كلا.. لا أرى سوى الظلام.

وازدادت حيرة الجالسين. حوقل بعضهم وبسمل البعض الآخر. وبدأت خيبة الأمل تطفح على وجوههم. تمتم بعضهم بصلوات وادعية وآيات، وتوقفت الشموع الموقدة عن تحريك ذؤاباتها. وحل الصمت المطبق على نفوس الجميع.

وازدادت عينا الملا احمراراً واتساعاً، كما ازداد صوته بحة ورهبة، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة أبدا. ولاحظ القصاب ان صديقه الملا بدا أكبر سناً منه، على الرغم من أنهما ولدا في وقتين متقاربين قبل خمس وعشرين سنة. كان وجهه قد ازداد نحافة، برزت وجنتاه بشكل واضح وبقيت عيناه جميلتين، لامعتين، واسعتين، ثاقبتين كعهده بهما من قبل، كما ازدادت لحيته كثافة وشيباً.

وبدأ الملا يفك العصابة عن عيني الطفل، وهو يتمتم ويؤشر بيديه، كأنه يطرد من الغرفة أشباحاً لا يراها أحد سواه، وبدا صوته اكثر وضوحاً وهو يقرأ بصوت ينشر الخوف:

‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

‏‏إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏.

أشتاتا أشتاتا

 أشتاتا أشتاتا أشتاتا أشتاتا

 أشتاتا أشتاتا أشتاتا أشتاتا أشتاتا

أشتاتا أشتاتا أشتاتا

 أشتاتا أشتاتا

انصرفوا بارك الله فيكم وعليكم..

 انصرفوا بارك الله

فيكم وعليكم..

 انصرفوا انصرفوا... انصرفوا.

 مشيرا بيده نحو باب الغرفة. ثم أخرج ورقة صغيرة صفراء اللون، كانت مخبأة تحت العصابة، على جبين الطفل.

وفي اثناء ذلك، سكبت عينا القصاب الكثير من الدموع بسبب دخان البخور الذي يملأ الغرفة. كان يمسح عينيه بمنديل بين حين وآخر، وهو يختلس النظر، خشية أن يلاحظه أحد الجالسين.

وبدأ يتفرس في وجوه النساء الجالسات في الصف المقابل له من أقصى اليمين الى أقصى الشمال. وجد عينيه، وبلا قصد منه، تستقران على شابة جميلة، ذات عينين ناعستين برموش سود طويلة وفم وردي طفولي. لم يتبين جسدها، فقد كانت ملفوفة بعباءة سوداء جديدة. أما غطاء رأسها الآزرق المُحلى بخطوط بيض متقاطعة، فقد بدا وكأنه لم يلبس غير بضع مرات. وفكر القصاب بالحذاء النسائي اللامع الذي رآه مع بقية الأحذية على حافة الباب، فأدرك انه حذاؤها بالتأكيد. ثم خمن مع نفسه، أنها ليست من سكنة هذه المحلة البائسة، وإنما قادمة مثله من قلب العاصمة.

نظر في عينيها، كانتا ساحرتين، جذابتين، مغريتين، فأدرك أنه مبتلى أينما حل ورحل.

كان الملا قد أنهى إجراءاته الأخيرة، ثم التفت نحو الجميع معتذراً ومهدداً:

ـ لقد اختفت الملكة عنادل ملكة السماء السادسة، اختفت بسبب وجود شخص نجس بيننا.

وارتبك القصاب عند سماعه كلمة "نجس"، فأزداد وجهه تعرقاً، وكأنه المقصود بهذه الكلمات، فشعر بوضوح بالرطوبة اللزجة، الساكنة في لباسه الداخلي. وتذكر انه ضاجع "ابتسام" في القصابة قبل مجيئه الى هنا من دون ان يغتسل، وواصل الملا خطابه:

ـ لقد غضبت هذه الملكة الطاهرة علينا، بعد أن كانت لنا عوناً في حل مشاكلنا، وكشف المخفي في حياتنا. لقد فقدناها، وبذلك فقدنا الآلاف من الجن المؤمنين الذين تحكمهم، ويأتمرون بأمرها. أنا اعرف ذلك النجس، وبإمكاني فضحه الآن بينكم، لكن الله تعالى أمر بالستر، سألتمس له العذر هذه المرة فقط، لكن الويل لمن حضر مجلسي وهو على نجاسة، لأني سأجعله يندم طوال حياته.

وأدرك الكثير من الجالسين، أن طلباتهم ورغباتهم ستؤجل لوقت آخر، قد يطول، وقد يقصر، لاسيما عندما اختتم الملا حديثه:

ـ والآن اعذروني، لقد خرب كل شيء، سنلتقي غداً ان شاء الله تعالى.

وأعتذر الكثيرون منه رجالاً ونساء وهم ينصرفون، بينما أصر البعض منهم على القسم أمامه على أنهم طاهرون. وألح آخرون على ترك زجاجات الخل وماء الورد التي اصطحبوها معهم لديه، عسى أن يكون بمقدوره إكمال طلباتهم يوم غد.

ووسط فوضى خروج الجالسين وتدافعهم، واحتكاكهم ما بينهم، احتك القصاب بالشابة الجميلة، فارتبكت وابتعدت عنه مسرعة. فتقدم نحو الملا وبادره التحية، فحياه الملا وهو يحتضنه ويبتسم:

- ما زلت وسيماً وجميلاً أيها الصديق العزيز.

 

* قاص وروائي من العراق ، والنص المنشور فصل من رواية بعنوان "في السماء السادسة"