الأفلام الإفريقية: سينما فقيرة..لكنها غنية

ناجح حسن*

وضعت السينما الإفريقية بَصْمتها على خريطة السينما العالمية، كما هو حال سينمات أخرى "فقيرة"، غير أن ازدهار سينما القارة السمراء استلزم سنوات طوالاً قبل أن تقطف هذه السينما اعترافاً بهويتها المتميزة، وذلك لخصوصية أعمالها ، ولموروث ثقيل من النظرة الدونية والعنصرية الى القارة وإبداعها، قبل أن تتحرر من وطأتها في السنوات القليلة الماضية، بفعل نشاط دؤوب ومتواصل  قادته سينمات بلدان القارة بأفلام ما كان لها أن تظهر، لولا الدعم والتمويل المشترك الذي قدمته السينما الأوروبية للسينمائيين الأفارقة، والتي أفرزت ظواهر جمالية لافتة.

 المخرج السينمائي والروائي السنغالي عثمان سمبان الراحل قبل عامين عن 85 عاماً، عده النقاد واحداً من أبرز صناع السينما في العالم الثالث عموماً، وفي القارة الإفريقية على نحو خاص. فقد لعب سمبان  دوراً مضيئا في تاريخ السينما الإفريقية وهو القادم إلى الفن السابع من حقل الكتابة الروائية ،إذ قدم إسهامات متعددة في التعبير عن تطلعات ومآسي وطنه الأصلي السنغال، وبلدان القارة الإفريقية في مرحلة دقيقة من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية. في سائر أفلامه السينمائية التي يختلط فيها التسجيلي والروائي تناول سبمان مشكلات الإنسان الإفريقي سواء داخل حدود بلده أو في المهجر، مشيرا فيها إلى علاقات الاضطهاد والتعسف المتضادة والناجمة عن سلوكيات التمييز العنصري والممارسات الاستعمارية .

اتجه إلى الكاميرا السينمائية كوسيلة للتعبير عوضاً عن كتابة الرواية التي أجاد تقنيتها، ونقل بعضاً منها لاحقاً إلى الشاشة البيضاء نظراً لحجم الأمية المنتشر بين أبناء بلده السنغال، ولفهمه للسينما بأنها لغة الصورة ووسيط في عرض رسالة يدركها الأمي والفقير كما المتعلم والغني، وهو ما أشار اليه في العديد من اللقاءات التي كان يتواصل فيها مع النقاد على هامش المهرجانات السينمائية العالمية.

انطلق سمبان في مسيرته السينمائية الطويلة من تحقيق الأفلام التسجيلية القصيرة، كما في أول أعماله "الحوذي" في العام 1961 عقب دراسته الإخراج السينمائي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفيه يصور في ثلاثين دقيقة التناقض الواسع بين شرائح اجتماعية، من خلال حوذي ينقل الركاب طوال يوم شاق طويل مشيرا إلى المعاناة والقسوة التي تثقل الفئات الدنيا من المجتمع. ثم تتالت أفلامه المستلهمة من معايشته  الطويلة لمجتمعات الغرب إبان عمله في مهن شاقة وبسيطة على أرصفة سواحل أوروبية، قبل أن يبدأ في إخراج أفلامه السينمائية التي قدمته إلى العالم كمخرج من العالم الثالث، يعي موضوع العلاقة بينه وبين الآخر كما جسد ذلك  في أفلام : نياي 1963 ، سوداء من .. 1966 الذي ظفر بجائزة التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية ، الحوالة البريدية ، كالا 1971 ، المعسكر وسواها كثير .. حيث يكشف  في العديد منها عن براعة في تصوير الظروف التي يعيش فيها مجتمعه وارتباط الناس الفقراء هناك بمفاهيم مستمدة من موروث حضارة غائرة الجذور،  تتمظهر في لغة سينمائية تحمل بصمة صانعها المفعمة بألوان من الموسيقى القديمة ذات الإيقاعات الفريدة، والمصاحبة لغناء بأصوات أناس عاديين محمل بكلمات تلخص ذكريات وأمال وآلام فردية وجماعية تُعري منظومة القيم السائدة.

" الحوالة" أول أفلامه الروائية الطويلة وقد قاده إلى شهرة عالمية، ذلك أن العمل احتُسب باكورة الإنجازات الروائية والملونة في القارة الإفريقية،  واستمد أحداثه من احد أعماله الروائية بالعنوان ذاته،  وقد حقق عثمان سامبان في أسلوبية تجمع بين الواقعية والرمزية  شريطاً مميزاً ،على خلفية من مظاهر الفساد التي تقبض على أركان بيئته عندما يصدف أن يأتي إشعار لشخص فقير يخبره بضرورة مراجعة مكتب البريد لاستلام حوالة مالية من قريبه المهاجر إلى باريس، وهنا تتبين انتهازية الجيران والأصدقاء والموظفين، الذين يشرعون  في النظر إليه كرجل صاحب ثروة، سوف يمنحهم ما يسد به نهمهم.

يحيل الفيلم الذي اعتبر فتحاً في السينما الإفريقية هذه السلبيات، إلى مخلفات وسلوكيات المستعمر لبلده الذي أفرز فئة من الناس تتبلد فيها الأحاسيس والمشاعر الإنسانية أمام بريق المال.

 استعان المخرج بعدد وفير من الممثلين غير المحترفين والكومبارس، أغلبهم من أولئك المارة والموظفين وأصحاب المحلات، الذين صودف وجودهم ساعةتصوير الفيلم ،ما يعكس قدرة سمبان الفائقة في إدارة مجاميعه وتوظيفهم في خطاب الفيلم الفكري والجمالي.

حاز سبمان على جائزة مهرجان "كان" لقسم "نظرة خاصة" عن فيلمه الذي قدمه العام 2004 تحت عنوان "مولاديه"  كما نال العديد من الجوائز والتكريمات في مهرجانات عربية وأوروبية وافريقية كواحد من أبرز القامات الرفيعة في السينما الإفريقية، وقد عرفت عنه براعته في تصوير دقيق ،مؤثر وفاتن لأحوال النساء في المجتمع الأفريقي الريفي وأشواقهن للتحرر من الممارسات العتيقة بما يتعلق بممارسات ضد المرأة التي ما زالت تمارس هناك، تحت حجج ودعاوي تعود في بعض منها  الى أنماط حياة بدائية.

جال سمبان بكاميرته في أرجاء العالم ،وهو يحمل قضية مصائر أولئك الفقراء في عالم يزخر بالقهر والظلم وتقديمهم إلى عشاق الفن السابع في أعمال مفعمة  بالأمانة والواقعية، وهي تنهل من جماليات ورؤى السينما الفقيرة.

*ناقد سينمائي من الأردن