افلام عربية مغايرة للسائد تصوغ خريطة المشهد السينمائي العربي.

ناجح حسن*

حصيلة وفيرة من الأفلام العربية الجديدة شقت طريقها مؤخرا صوب المهرجانات العربية والدولية الكبرى، محملة بالكثير من الإبداعات، وحجزت لها موقعاً لائقاً ضمن المشهد السينمائي العربي وموروثه الفقير، بعد تجوال دائم بملتقيات وفعاليات مواسم ثقافية متنوعة .

من بين تلك الافلام الفيلم المعنون "حسيبة" من توقيع المخرج السوري ريمون بطرس الذي يقدم فيه خلاصة مشوار طويل مع الكاميرا .الشريط يستند الى واحدة من ثلاثية الروائي السوري خيري الذهبي،  وقد  حلم بطرس طويلاً في تجسيدها على الشاشة البيضاء، قبل أن تتيح له المؤسسة العامة للسينما فرصة تحقيقها بعد أن نجح في العقدين الاخيرين بتقديم فيلمين روائئين طويليين هما: "الطحالب" و"الترحال" جال فيهما على لعديد من المهرجانات العربية والدولية، وحقق الشريطان إعجاباً وجدلاً ثريين في أوساط النقاد والمتلقين.

في فيلمه "حسيبة " اتجه الى مناخات جديدة من الأسلوبية في العمل أو في تنويع موضوعاته، فهناك اختياره الجريء لكاميرا الفيديو الرقمية لتصوير عمله، قبل أن يجري نقله الى الى شريط سينمائي، إضافة الى اقتحامه حقبة زمنية تعود الى النصف الأول من القرن الماضي في بيئة دمشقية كانت تشهد أحداثاً جسيمة  في سوريا كما في منطقة الشرق الاوسط عموما .

ركز الفيلم الذي أسندت أدواره الرئيسية الى كل من: طلحت حمدي، سلاف فواخرجي، جيانا عيد، مانيا نبواني، اميليا بطرس، ماهر صليبي، زهير رمضان وسواهم، على العلاقات التي تدور بين أنماط من الشخصيات أغلبها نساء يتطلعن الى تحسين ظروفهن الاجتماعية رغم الخيبات والانكسارات بالانعتاق من  القيود الموروثة، دون أن يغفل حراك محيطهن الانساني والتحولات الحادة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

 

 

ويعود المخرج مجدي احمد علي أحد أبرز صناع السينما المصرية بعد غياب عقد من الزمان في فيلمه الروائي الطويل "خلطة فوزية"، الذي لم يتمكن من إنجازه إلا بعد مساهمة وزارة الثقافة في توفير دعم مالي لأصحاب السيناريوهات اللافتة التي عجز كتابها عن توفير الدعم المالي بغية تحقيقها على الشاشة البيضاء. الفيلم الذي تضطلع ببطولته الممثلة الهام شاهين والى جوارها في التمثيل فتحي عبد الوهاب، عزت أبو عوف ولطفي لبيب .. تدور أحداثه حول قصة امرأة تعيش وأسرتها الكبيرة في ظروف ومعاناة اجتماعية، جراء زواجها بأكثر من رجل ولا تجد مكاناً تقطن فيه سوى تلك العشوائيات التي تنتشر على أطراف العاصمة  القاهرة، وهي دائمة الانهماك في تدبير أمور عائلتها والنهوض رغم عناد الواقع وجبروته .

شارك الفيلم في مهرجانات عديدة منها : الشرق الأوسط  في ابو ظبي ،وأيام قرطاج السينمائية في تونس ،مهرجان دمشق ومهرجان وهران ونجح في تحقيق نتائج طيبة وانتزع جوائز رفيعة ضمن حلقات تنافسه في أكثر من مسابقة رسمية .

جاءت عودة مخرجه المخضرم مجدي أحمد علي الى العمل بمثابة إعادة الروح الى تلك السينما المصرية المختلفة، التي طالما افتقدها عشاقها منذ فترة ليست بالقصيرة وبشرت بها أعمال المخرج السابقة : " يا دنيا يا غرامي " و " أسرار البنات " وحديثاً "عصافير النيل" الذي بدا هو أيضاً إضافة نوعية لتجاربه الاإداعية في حقل السينما العربية والمصرية على وجه الخصوص . 

من تونس نجحت حديثا المخرجة كلثوم بزنار بإخراج أحدث أعمالها الروائية الطويلة " شطر محبة " الذي كان من بين أفلام مهرجان قرطاج السينمائي الأخير الى جانب الافلام التونسية الحديثة : " ثلاثون " للفاضل الجزيري  و " شارع الحبيب بورقيبة " لإبراهيم اللطيف و فيلم " شهرزاد "  لمعز كمون، وجميعها ناقشت قضايا وأحداثاً متنوعة مستلهمة من التاريخ التونسي القريب وحراكه المعاصر، بأساليب متفاوتة تجمعها دائما تلك الرؤية النابضة بالحنين والانحياز الى هموم البسطاء .

وفي الأفق تلوح بشائر سينما أردنية شابة يقدمها المخرج محمود المساد بفيلمه الجديد "هذه صورتي وأنا ميت " وهو صاحب العمل السينمائي التسجيلي الطويل اللافت "إعادة خلق " وشريط" الشاطر حسن" الذي عرض بحفاوة في صالات العرض السينمائي بأوروبا، وها هو أحدث أفلامه يقتحم مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي في أسبانيا بكل قوة، وفي طريقه خلال العام الجاري الى كبرى مهرجانات السينما العربية والعالمية، حيث أجمع على بلاغته الجمالية والفكرية النقاد وعشاق الفن السابع لما تمتلكه من قدرات ترفد حرارة وحيوية خريطة السينما العربية الجديدة.

يمكن إدراج قائمة طويلة من عناوين الأفلام اللافتة : "رسائل البحر" لداوود عبد السيد، الذي أخذ يشق طريقه الى مسابقات الأوسكار كافضل فيلم أجنبي وهناك أيضا أفلام: "زي النهاردة" إخراج المصري عمرو سلامة  "دخان بلا نار" إخراج اللبناني سمير حبشي و"زمن الرفاق" إخراج المغربي محمد الشريف الطريبق و"حنة" إخراج الاماراتي صالح كرامة والفيلم التسجيلي المصري الطويل "نجيب الريحاني" إخراج المصري محمد كامل القليوبي، والأفلام الفلسطينية "عيد ميلاد ليلى" إخراج رشيد مشهراوي و"مر ورمان" لنجوى نجار و"الزنديق" لميشيل خليفي و"الزمن المتبقي" لإليا سليمان.

 

* ناقد سينمائي من الأردن