ازدهار ثقافي في بلغاريا : "ما هذه السخافة..أين الرقيب؟!"

خيري حمدان*
الشعوب محكومة بمصائرها التاريخية، ولا يمكنها التخلّص من بصمات وثقل مسار التاريخ، بما في ذلك كافّة الترسّبات التي من المتوقّع أن تتركها على الحياة الثقافية والتركيب الفسيولوجي للشعوب. من أكثر الشعوب التي تعرّضت للعديد من الهزّات والتغييرات المصيرية هي شعوب شبه جزيرة البلقان، التي بقيت تتخبّط في البحث عن هويّة وطنية وقومية عبر عقودٍ طويلة من الزمن، صاحَبَ ذلك حروب كثيرة صغيرة وأحيانًا أهلية  أودت بالأخضر واليابس، وتركت بعض الدول في مهبّ الريح دون أمن واستقرار لسنوات طِوال. وربّما يتعين التذكير بأن شرارة الحرب العالمية الأولى اندلعت من سراييفو الواقعة في قلب البلقان، حيث اغتيل وليّ عهد النمسا. هذا القلق والخوف ترك آثاره التي يمكن تحسسها والوقوف عليها في أنماط الحياة الثقافية المختلفة، كالمسرح والشعر والقصة القصيرة والرواية. 

بلغاريا بالطبع ليست استثناءً، فقط تعرّضت هي الأخرى للكثير من الأحداث، أهمّها الاتقلاب على الملكية بعد الحرب العالمية الثانية، والالتحاق بركب "المنظومة الاشتراكية" ، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي  السابق وحتى العام 1989، حيث اصطبغت هذه الفترة بأدب موجّه بحثًا وتوطيدًا للأسس والأفكار الاشتراكية، وأكّد المضيّ في تثبيت هذه المبادئ قمع ربيع براغ بجيش روسيّ، عمل على تأديب وكبح جماح كلّ من تسوّل له نفسه الانقلاب، أو محاولة تغيير أنماط الفكر الاشتراكي بكلّ إيجابياته وسلبياته . لهذا بات من المستحيل نشر أيّ من الأعمال الأدبية، أو القيام بفعالية ثقافية دون الحصول على مباركة اللجان الحزبية المتخصصة، وبات من الضروريّ استخدام الرمزية في الطرح الأدبيّ لتقديم فكرة مغايرة لـ "الأصول والمبادئ" المتعارف عليها في البلاد، وهذا  ينطبق على كافّة دول المنظومة الاشتراكية الغابرة، وهي في أغلبها تقع في البلقان. 

لم يكن هناك ملجأ آخر للخلاص من القبضة الحديدية، سوى الهرب والهجرة من البلاد، للشعور بالحريّة والانعتاق من عمليات غسل الأدمغة المبرمجة. وحتى هذا الشأن لم يكن كافيًا للخلاص! مثال على ذلك، مقتل الصحفي والكاتب البلغاري غيورغي ماركوف بعد وخزه بطرف مظلّة مسمّمة في قدمه في مدخل أحد أنفاق ميترو لندن عام 1978 ومقتله، وذلك لعمله في إذاعة أوروبا الحرّة في قسم اللغة البلغارية الموجّه للشعب البلغاري، والمعادي للنظام الحاكم آنذاك برئاسة تيودور جيفكوف.  

على أن الحقبة الاشتراكية عملت أيضاً على خلق أجواء ثقافية واسعة وواعدة، وساعدت في نشكيل تجمّعات أدبية، وفرص عديدة دورية لقراءات شعرية، ومنحت تقديرًا كبيرًا للأدباء المخلصين للفكر الاشتراكي وأخلاقياته من دون سواهم ، إضافة لتأسيس بنية تحتية قويّة كبناء وتمويل عدد كبير من المسارح ودور الأوبرا، حتى في المدن الصغيرة مع تيسير حضور ومشاهدة الأعمال الفنية، وتأسيس المدارس الموسيقية والباليه وغيرها، وإرساء تقاليد موسمية لتوثيق هذه الحضارة وهذا النهج، ممّا خلق  منافسة حضارية مكثّفة لدى الغرب، وبان الفراغ لاحقًا بعد انعدام روح المنافسة حين تمكن الغرب من الانفراد بالشأن الثقافي والاقتصادي والقرار السياسي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، لكن هذا شأن آخر قد نتطرق إليه في دراسة أخرى.

يمكن إذًا معرفة وتحديد الأدب المدّون في أثناء المرحلة الاشتراكية بسهولة، وهذا ينطبق على عدد كبير من الأدباء الذين عايشوا مرحلتين متتالتين أو أكثر. هناك على سبيل المثال الشاعر ليوبومير ليفتشيف، الذي ترأس اتحاد الكتّاب في ثمانينات القرن الماضي، لكنّه ما زال يعتبر من كبار الشعراء بعد انتهاء الحقبة الاشتراكية، لكن من السهل تمييز أشعاره المكتوبة في ثمانينات القرن الماضي وقصائده المعاصرة، وقد تُرجمت أشعار ليفتشيف للعديد من اللغات ومن ضمنها اللغة العربية، وهنا إحدى قصائده التي ترجمتها مؤخرًا. 

 

ككلّ شيء وكالجميع

مشيت البارحة في شارع 

معدم.

كنت منفتحًا، وفيّ دخلت الأشجار،

ومعالم المدينة، وحتى المساء..

كلّ شيء دخلني

باستثنائي أنا فقد خرجت،

من هذا المعبر الأثير.

عندها مرّ شابٌ أو فتاة،

من الصعب تحديد ذلك،

لأنه أو لأنها كان يحمل هاتفًا ويصيح:

- أنت لست بشاعر!

 

لست بشاعر أبدًا!

تخلل نبرات الصوت تهديد، إحباط وسموم ..

بالرغم من أن الكلمات وجدت طريقها إليّ،

لم أفهم من المعنيّ بذلك.

التقتّ حواليّ

كان الهواء ينسج أغنية غرامية.

والشبابيك تسنو رباعيات شعرية.

ولج الشعراء في الأرواح،

إلا أنا خرجت ..

ما يعني

أن الكلمات الميتة كانت تسكنني.

أنا هو من عنا "لست بشاعر!"

أنا اللاأحد.

يا إلهي،

كم هو جميل أن تتحرر من صفة الشاعر!

أن تنقذ ذاتك من هذه اللعنة،

أن تحمي مشاعرك من الهدر،

أن تكون دون جهد مباركًا،

دون معاناة هَنيئَة.

أن تدخل، تدخل ، أن تلج

ككلّ شيء وكالجميع.

 

هكذا،

حياتي تنبت مجددًا

كسنّ عارٍ،

كضرس عقل،

مؤلم دون ألمٍ ظاهر 

حصاد فكّ أثريّ،

أسماها من أنكر صفة الشاعر 

إحدى تقمصات الأبدية.

ومن مشاهير كتاب تلك المرحلة الكاتب الصربي برانيسلاف نوشيتش والكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا، وفاتسلاف هافيل الكاتب المسرحي الذي ترأس جمهورية التشيك بعد انتقال التشيك  إلى اقتصاد السوق، والكاتب البولندي ريزارد كابوتشينسكي وآدم زيلينسكي وغيرهم كثر يصعب حصرهم في هذه العجالة. لكن  بقاء وخلود بعض كتاب تلك المرحلة يعود لانتماء إبداعهم للحقائق والمسلّمات الإنسانية التي عملت على إثراء الأدب العالمي بروائع تغلّبت على النسيان فخلدت، وهذا ينطبق على الفنون الأخرى كالسينما والمسرح، ولعلّ أكبر مثال على الإبداع السينمائي ما أنتجه أندريه تاركوفسكي الذي نحت الزمن بعدسة كاميرته، وتمكن من إخراج أجمل أفلامه في فرنسا والسويد في الوقت الذي ظل انتماؤه للوطن الأمّ روسيا التي كانت جزء من الاتحاد السوفييتي حيًّا لآخر لحظة من حياته، لدرجة منعه من العودة إلى البلاد علمًا بأنه لم يتطاول على السلطات واكتفى بتحدّي الآلة البيروقراطية المخيفة  ، حيث كان  الذهاب بعيداً في الإبداع  مخيفًا للكبار في اتحادات الكتاب والصحفيين والسينما وغيرها من أوساط الحياة الثقافية ، إبداع قد ينقلب على صاحبه، كتجميد عضوية باسترناك بعد كتابة رائعته "دكتور زيفاجو" بأمر من نيكيتا خروتشوف حتى من دون أن يقرأ أحد من النقاد هذه الرواية. لكن لنبق في بلغاريا للحديث عن الأثر الذي تركه التحول والانتقال من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق والتحرر من كافة القيود في معظم مجالات الحياة. 

- أين الرقيب؟ كيف يمكن نشر هذه السخافة؟. 

- المعذرة لا يوجد رقيب، إذا لم يعجبك الكتاب يمكنك ألا تشتريه، وإذا اشتريته يمكنك ألا تقرأه ورميه في أقرب حاوية! .

 يمكن الاستماع لهذا الحوار في أي مكان بعد انقضاء المرحلة الاشتراكية، والدخول في جحيم المرحلة الانتقالية نحو اقتصاد السوق. مرحلة سلبت من شعوب أوروبا الشرقية الهدوء والاستقرار الاقتصادي المبطن والخفيّ، الذي وفّرته الحكومة المركزية في أثناء المرحلة الاشتراكية. فوجئت شعوب أوروبا الشرقية برفع الحكومة يدها عن معظم قطاعات الحياة. تحررت الأسعار وبقيت الرواتب والمستحقات على حالها، بحكم العادة ربّما أو بسبب الفساد الكبير الذي اقتحم البلاد، ويمكن ملاحظة حالة القلق في القصيدة أعلاه، التي كتبت قبل أقلّ من عام، علمًا بأن الشاعر ليفتشيف يعتبر من أكثر الشعراء دلالاً في الأوساط الأدبية والرسمية في كافّة المراحل التي مرّت بها بلغاريا في أثناء عطائه الأدبيّ. 

لا قيود، بات من الممكن الكتابة في السياسة والجنس والعنف، دون أن يتطلب ذلك الحصول على تصريح أو مباركة من قبل الرقيب  القابع خلف مكتبه في مقرّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أو دون ذلك وفقًا لطبيعة الكتاب، سيناريو الفيلم أو نص المسرحية المطروح للإخراج. هكذا امتلأت المكتبات بكلّ ما هبّ ودبّ من الأدب الوطني والمترجم على حدّ سواء،  لا بدّ من التذكير هنا إلى أن حركة الترجمة أثرت الحياة الثقافية إلا حدّ كبير، وظهر كتاب أبدعوا وكانوا مرشحين في فترة من الفترات  للحصول على جوائز عالمية رفيعة المستوى، ومنهم الروائيّ  فيكتور باسكوف الذي توفيّ في ألمانيا بعد صراع مرير مع مرض السرطان قبل سنتين. باسكوف ليس روائيّاً فقط، فقد أذنت له فرصة الانفتاح على الغرب بأن يصبح عازف بيانو محترف، وقد تمكن في روايته "أناطوميا الحبّ" من وصف الموسيقى بالكلمات، ما لا يتأتى للكثير من المهتمين بهذا المجال، وأطلق على روايته هذا الاسم لأن جميع أبطالها توفوا قبل الانتهاء من كتابة الصفحة الأخيرة من الرواية، وقد ألمحتُ للكاتب عن رغبتي في ترجمة هذه الرواية قبل موته بأقل من سنة، لكنّي خشيت بعد ذلك من عدم الوفاء بحقوق نشره وسط السرقات الكبيرة الشائعة لدى دور النشر، وضعف الاهتمام بحركة الترجمة في العالم العربي، علمًا بأن أعمال باسكوف مترجمة لعشرات اللغات. 

ساعدت الحريّة المفاجئة التي عمّت البلاد جميع الأوساط الثقافية إلى حدّ بعيد وبدأت المهرجانات المسرحية والشعرية والسينمائية تتوالى دوراتها في بلغاريا، وأصبح من الممكن حاليًا تحسّس ولادة أدب إنسانيّ يرقى للعالمية، وخالٍ في القوت نفسه من الشعارية التي واكبت المرحلة الاشتراكية. 

هناك غياب ملحوظ وكبير للأدب العربي المترجم للبلغارية، وباستثناء محمود درويش، وطه حسين ونجيب محفوظ وأمين معلوف وبعض الكتب التاريخية الشهيرة، فإنه يصعب رؤية مؤلفات مترجمة للمبدعين العرب. أذكر بأنني  قمت قبل سنوات بترجمة بعض قصائد أدونيس بطلب من مدير تحرير صحيفة اتحاد الكتاب البلغار، ولا أظنّ بأنّ هناك ترجمات أخرى للشاعر، ليس هناك منهج وبرنامج لتشجيع نقل الأدب والشعر العربي للآداب الشرق أوروبية، وما زالت لديّ الرغبة بالطبع في نشر أنطولوجيا للشعر العربي المعاصر، ابتداءً بالشعراء الأردنيين لا لشيء، سوى لقربي من الوسط الأدبي الأردني بحكم انتمائي لهذا البلد، وكانت هناك فكرة كذلك طرحها القنصل الأردني الدكتور حسن البرماوي لدعوة الشاعر حيدر محمود، على أن تستمرّ هذه المبادرات بدعوة كتّاب مختلفين ومن دول عربية عديدة كلّ عام، خاصّة وأن هناك مهرجانات شعرية دولية تقام سنويًا في صوفيا وبعض المدن الساحلية، وتوفّر وزارة الثقافة البلغارية خشبات المسارح وصالات عرض كبرى لتصبح الأمسيات بمثابة حدث يترك أثرًا في نفس الشاعر والمتلقّي . علمًا بأن هذه المهرجانات مناسبة للتعرف على الكثير من شعراء البلقان والشعراء العالميين من معظم دول العالم، لكنّي لم أجد شخصيًا الدعم الكافي لتحقيق هذه الغاية بالرغم من تبنّي بعض السفراء والقناصلة العرب لهذه الأفكار في البداية وتخلّيهم عنها بعد أمد قصير. أدرك بأن صوفيا ليست لندن أو باريس، لكن الأدب الشرق أوروبي واعد لأنّه يحمل حكمة التاريخ المليء بالأحداث الذي مرّت به شبه جزيرة البلقان عبر العصور المختلفة. 

ثمة علاقة تاريخية وجيدة تربط  بلغاريا بدول العالم العربي، وقد تأثرت اللغة البلغارية كثيرًا بالإرث اللغوي العربي المنقول عبر الحكم العثماني لبلغاريا، والذي استمرّ ما يقارب خمسة قرون، ويمكن ملاحظة  آلاف الكلمات البلغارية المأخوذة من العربية مثل "صبالي – صباح"، "بليا – بلاء"، "فايدا – فائدة" وغيرها كثير. كما إن طباع البلغار تعتبر إلى حدّ ما شرقية وقريبة من العادت االسائدة في الشرق الأوسط. هنا تحضرني أغنية ترددت كثيرًا في التراث البلغاري ومطلعها "عربي أسمر يمتطي حصانًا أبيض". للأغنية بعد تاريخي يمتدّ حتى الحبشة والفراعنة الأوائل الذين رسموا ببشرة داكنة في بعض اللوحات القديمة، هكذا ارتبط مفهوم العربي باللون الأسود والفروسية . لكن الحضارة المعاصرة وثورة المعلومات ساعدت في توفير المعرفة، للاطلاع على الكثير من حيثيات وتفاصيل الحياة في العالم العربي، كما ساهم في ذلك حركة الاستشراق النشطة، وقد تمكن معهد الدراسات الشرقية من تخريج وإعداد مئات المتخصصين باللغة العربية، وشهدت ثمانينيات القرن الماضي حركة ترجمة حثيثة، لكنّها تعثّرت بعد انتقال البلاد من الحقبة الاشتراكية إلى اقتصاد السوق، وقصور التواصل مع العالم العربي،  وذلك في حمّى البحث وإعادة اكتشاف الغرب، وكأن هذا الأمر  يمنع التواصل مع العالم العربي. من جهة أخرى لم تسعَ الدول العربية وحكوماتها لتوطيد علاقاتها مع الحكومات الديمقراطية المتتالية بعد تسعينيات القرن الماضي. لكن تنبهت الحكومات البلغارية في الآونة الأخيرة إلى ضرورة التوجّه للتواصل وبناء علاقات وطيدة مع العالم العربي، الذي يخطب ودّه الغرب، بهدف اجتذاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، كما أدركت هذه الحكومات بأنّ الالتحاق والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا يعني بالضرورة قطع السبل والطرق المؤدية إلى المشرق. 

التحديات ستبقى قائمة أمام العالم العربي في كافّة المجالات. هناك منابر مفتوحة عديدة ومتنوعة وساحات الشعر بانتظار سادة الشعر. كذلك الأمر مع المسرح والسينما الوثائقية وأفلام الدراما الطويلة. هناك متّسع لإثراء الأدب البلغاري والعربي عبر زيارات وقراءات متبادلة، يكفي توفّر الرغبة لتحقيق هذه الغاية. 

* أديب من فلسطين مقيم في صوفيا.