أُغنية الأخرس

جمعة اللامي*
أسمعه بعد انتهاء صلاة الصبح: ما أن يسلم الإمام، حتى يصفق بجناحيه . رأيته هناك، عند قلب نخلة الديري الباسقة التي تطل على فناء مسجد ميثم التمار ( المسجد له اسم آخر، مكروه حتى ذكر اسمه الأول فيه ـ قال الإمام  في خطبة طويلة : ميثم (1) فارسي ). وخلفها يبدو القصر العالي، المتعدد الأبراج ، الذي لم يدخله أحد منا  نحن مواطني الفسحة الترابية السبخة، أو بما عُرفنا به بعد عقود: ناس عرصة الحديقة . لكننا في شهر مارس من كل سنة، نسمع هسيس البارجة الأميركية، ولا نرى برجها لأنه يختفي وراء أحد أبراج القصر .

أما الغراب المطوّق، الأكحل ، فهو يستبق الأذان الأول ـ فجراً ـ ويقوم ينعق صاخباً، ثم يسحب رفيقته الى مكب القمامة ذي الغطاء الاسود، في ظل البرج الشمالي، كأنه يدخل الى ميدان معركة.

ومثله، أي مثل الغراب المطوّق، ذلك الطائر الهندي، الأكبر من البلبل، والأصغر من الغراب الأكحل، فإنه يزاحم المطوّق الصخّاب على الفضلات، ويزعق، ويتقاتل الذكران فيما بينهما بشراسة. ولا تنتهي المعركة إلا حين يفرش الأكحل جناحيه على الأرض، وهو ممدد على ظهره.

هذا الطائر الماكر، الصقر الهندي الذي يسميه بعض جيراننا الحيدرآبادية: شيطاناً، حذر جداً، ويبدو واثقاً من نفسه، عندما يقترب من البشر والشجر والحجر؛ بحثاً عن طعامه، من دون ان يسمح لذكر آخر الأنفراد بأنثاه. وهذا ما حدا بأحد شيوخ قبيلة البلوش الى القول: " هذا طير أمير " .

والبلبل، هذا الطائر المغرد، الوحيد، الصغير، الرقيق، فهو يميل الى العزلة: البلبل معتزل الجميع الاّ أنثاه. وحين يبدأ يغرد، ربما للتسرية عن نفسه، أو للمناداة على أنثاه، لا يطير أبداً.

البلبل يغرد واقفاً. هناك، حيث يختار مكانه بدقة، ويتخير لحنه المحبب، وفي الآن عينه يدغدغ ريش صدره، أو يفرد كل ريشة في جسده، فرحاً، مسروراً، ومبتهجاً، على الضد تماما من أمير القصر ذي البروج الأربعة .

 

وكان من رأي والدي أن هزاري ( الذي عاش معنا في بستان بيت الزبير، عند منبت محلة الماجدية بمدينة العمارة ـ وهذا يعود الى يوم في سنة 1958 ) طائر مبروك . قال والدي : " اسمع يا ولدي، إن هذا العندليب يقدّس في كنيسة الصابونجية، ويقرا في المزامير فوق كنيس التوراة في شارع المعارف، ثم يختتم بأغنية قصيرة في مسجد الشيج كاظم الكعبي بمحلة المحمودية" .

ثم أطلق والدي عقيرته مغنياً: " آه اغيرال ، اغيرال ، اغيرال " .

مسجد الشيخ كاظم في سوق النجارين الشهير بالمدينة ، حيث دكان الحاج سوزة الفيلي ، ومغازة ساسون بن حسقيل ، كما كان والدي يسمي ذلك اليهودي الصموت . ساسون يحب الشيخ كاظم. وعندما يمرض الشيخ بتلك الإرتجافة في أطراف أنامله ، يقصد دكان ساسون :

ـ خَيرْ يا شَيْخْنا ؟.

ـ ركبتاي بهما وجع .

يبتسم إبن حسقيل : " هذا كله من شغل الليل ، مولانا ".

 ثم يناول الشيخ قنينة صغيرة مملوءة بزيت الشيرج :

ـ "إخلطه بماي قليل ساخن واغستل به ، مولانا".

 

ربما كان ما قاله والدي صحيحاً. فلقد فاجأني أحد اقاربنا ذات مساء، عندما كانت الحرب (2) على أشدها، بحديث هاتفي أخبرني في أحد منعطفاته أن والدي أوصى قبيل وفاته وهو يحتضر : " أرسلوا الى ابني هزاره الأثير" .

 

صاحبي، ذلك الهزار ، صاحبي الذي لا يتجاوز طول جسده خمسة عشر سنتيمتراً، البني اللون عند الصدر، ذو اللحية الصفراء الزاهية، والذيل الذي مثل وردة عباد الشمس ، يحب الرقص بين أغصان شجرة الرمان، ويرتاح كثيراً عند شجرة التين، ويمرح أكثر وسط حقول الحنطة قبل الحصاد.

لكن صاحبي هذا، هزاري، الذي يشاركني التنزه بين أروقة "حديقة زينب"، لم أسمعه يغرد قط. وهذا ما أثار دهشتي وحيرتي، وجعلني أتساءل: أهو أخرس؟.

ثم انه حدث في العام الماضي (3) ، في شهر مارس 2012، وأنا بين موشور الغبش، حطّ أمامي فجأة: سقط على الأرض المعشوشبة، ذات اللون الكحلي كالليل تماماً، ومد رقبته نحوي وأطلق تغريدة لم أسمع بمثلها من قبل.

ثم طار.

في الصباح التالي لم أره. وفي الأسبوع التالي لم أقابله. ومرّ شهر، شهران، وثلاثة، وصاحبي غائب، بينما أغنيته القصيرة ما زالت تسكن في قلبي.

وفي كل صباح، وعند كل غروب، أقصد “حديقة زينب” فلا أجده.

لكن اغنيته القصيرة ما زالت ماثلة في سمعي.

وقبل يومين من ذلك اليوم، خرج صاحب القصر المتعدد الأبراج ، بين أركان إمارته، يحفّ به خدمه وحشمه، وهو يحمل بيمناه بندقية صيد جديدة، أهداها له أدميرال البارجة الأميركية التي اعتادت الرسو، هنا، خلف البرج الشمالي في شهر مارس من كل سنة. قال الأدميرال للأمير: "هذه الغنيمة ..هدية أميركا لسموكم ".

 قال ناس حدبقة زينب: أراد الأمير إختبار دقة تصويبه، وجودة البندقية العراقية المنهوبة ، فصوّب ماسوراتها الثلاث (4) نحو السماء ، وأطلق ثلاث رصاصات. ثلاث رصاصات فقط .

وبعدما تلاشى صوت صدى تلك الرصاصات الثلاث ، استمر صدى أغنية هزاري يتردد في أرجاء حديقة زينب :

ـ لاريغا .. لاريغا(5) .. لاريغا.. اغيـــــــرال .

 

* ذيل على متن :

1 ـ ميثم : كلمة تعني بلغة " اهل اليشن " البلبل ، الهزار ، العندليب . وورد في قاموس عتيق انه رجل تم صلبه عند باب الإمارة في تل سفيح .

2 ـ وجدت في " السجل الحربي " لمدينة " اليشن " ان المقصود بكلمة : الحرب التي ترد هنا ، هي الحرب بين العراق وايران ، التي نشبت سنة 1980 ، واستمر اوارها 8 سنوات .

3 ـ يبدو ان " السارد الداخلي " يكتب في زمن آخر ، هو المستقبل بالنسبة الى سارد هذه القصة ، اي بالنسبة الي انا جمعة اللامي.

4 ـ . البندقية ذات الماسورات الثلاث ، تمكين شعبي من اختصاص الذين شاهدوا انقسام ماء الهور نصفين ، كما سيرد في قصة اخرى من هذا الكتاب

5 ـ لايغا : من اسماء العراق .

 ـــــــ

** مجلد: اليشنيون :

 1 ـ 1 ـ 1999