أشرطة دي في دي: سينما في متناول أيدي العابرين

محمد جميل خضر*

تنتشر بغزارة وسط  العاصمة الأردنية عمّان، محلات بيع أقراص الأفلام السينمائية المضغوطة أو المدمجة، أو ما اصطلح عليها بأشرطة الـ (دي في دي) DVD. بوسع الزبون الحصول على ستة أشرطة سينمائية من هذا القبيل بسعر خمسة دنانير( 7 دولارات أميركية). وهو سعر يرى عدد من أصحاب دور العرض السينمائي ، أنه يشكل إغراء غير مدروس لعشاق الفن السابع والراغبين بمشاهدة آخر الأفلام، ويتسبب بانفضاض الناس عن صالات عروضهم التي يبلغ معدل ثمن التذكرة فيها زهاء خمسة دنانير للشخص الواحد، وهو المبلغ نفسه الذي يمتلك الزبون به ستة أفلام معظمها حديث، حتى إن بعض هذه الأفلام كما يؤكد إيدي أسمر مدير صالات برايم سينما داخل "البركة مول" في منطقة الصويفية، يُتاح تداوله في هذه المحلات قبل عرضه في دور السينما.

يُرجِع أسمر حصول أصحاب محلات بيع الـ دي في دي على الأفلام بهذه السرعة إلى استخدام وسائل غير قانونية ( غير مشروعة كما قال حرفياً)، منها بحسب أسمر نَسْخ (تنزيل) الفيلم عن مواقع على الإنترنت، أو الحصول على نسخة مهربة منه، ووسائل أخرى.

موسى صاحب محل دي في دي وسط العاصمة، برّر الأمر بالقول "إن لم نُنزل نحن الفيلم عن الإنترنت، فسيقوم الزبون بتنزيله بنفسه". وذهب إلى أن الأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم، قلّصت نسبة الإقبال على دور العرض السينمائية، "تماماً كما قلّصت عدد مشتري الأفلام من محلاتنا". وفي سياق دفاعه عن مشروعية ما يعرضونه من منتج للناس، رأى موسى أن كثيراً من الناس يقصدونهم كون أسعارهم في متناول أيدي الفئات ذات الدخل المحدود، والشرائح الاجتماعية التي لا تروقها أجواء السينما، وتحبذ مشاهدة فيلم سينمائي في أجواء خصوصية.

 في أثناء الحديث مع صاحب المحل، تدخل زبون صودف وجوده هناك، قائلاً إن كثيراً من المجموعات الشبابية خصوصاً ممن يقطنون مناطق عمّان الغربية، يقصدون محلات الـ دي في دي في قاع المدينة، كجزء من حزمة متكاملة يقومون بها، فهم كما يوضح الزبون وهو حسين الحسيني (موظف) ينزلون لأسواق وسط العاصمة بهدف التنزه أساساً وتغيير مرئياتهم ، ويتناولون وجبة العشاء في أحد المطاعم الشعبية في قاع المدينة، ويأخذون نَفَس (نارجيلة) في إحدى المقاهي المنتشرة في الداون تاون، وأخيراً كـ"تحصيل حاصل" يعرّجون على أحد محلات بيع الـ دي في دي للسؤال عن آخر الأفلام التي وصلت، ويمضون في جولة على تلك المحلات التي تتميز مساحات معظمها باتساعٍ  يُتيح التجوال المريح داخلها.

زبون آخر  دخل المحل وسرعان ما انضم للحديث الدائر قال إنه من عشاق الأفلام القديمة، وهو ما لن يتأتى له في أي دار عرض سينمائي،  وذلك لتسابق تلك الصالات على آخر ما تطرحه شركات التوزيع العالمية من أفلام.

زبون ثالث تحدث عن ظروف عرض مريحة يتحكم هو فيها "فأنا أشاهد الفيلم وقتما أشاء، وأوقفه متى اضطررت. أفعل ذلك وأنا مرتاح على أريكة واسعة مقابل التلفزيون، وأمامي ما أرغب من مُسليات ومُكَسّرات".

الناقد السينمائي الأردني رسمي محاسنة، أشاد بدور العرض السينمائية المحلية، وأكد أنها من أفضل دور العرض العربية. وذكر أنها قائمة داخل مجمعات تجارية تتوفر فيها معظم السلع الخدمية ووسائل التسوق ؛ محلات بيع ملابس وأحذية وهدايا وإكسسوارات، مرطبات، مقاه، مطاعم وجبات سريعة، محلات ألعاب وتسلية، مصاعد متنوعة ومريحة وأدراج كهربائية وغير ذلك من وسائل الرفاهية والتسوق والتنزه الحديثة. كما أن الصالات نفسها تحتوي، بحسب محاسنة، على أحدث تقنيات العرض الحديثة من أنظمة صوت ومؤثرات، وهي إلى ذلك تمتاز بمقاعد وثيرة وطرز معمارية تجعل المشاهدة ممكنة في أي مكان يجلس فيه روادها، ما يجعل مشاهدة فيلم سينمائي في واحدة من تلك الصالات، يوفر امتيازات لا تتوافر لدى مشاهدة الفيلم نفسه بين جدران البيوت. "لمشاهدة الفيلم داخل السينما طقوس ما زال كثير من الناس يفضلونها وتستهويهم أجواؤها". يقول محاسنة ويربط بين تلك الصالات وبين الشبان في مقتبل العمر، الذين يأتون على شكل مجموعات من الشباب والصبايا، ويرون في التوجه إلى صالة عرض سينمائي مشروع ترويح لا بأس به حتى لو كانت له كلفة مالية ، خصوصاً أنهم بمعظمهم من سكان عمّان الغربية ميسوري الحال، والفلوس ليست من عرق جباههم بل من جيوب ذويهم..

صاحب محل "حمودة" لأفلام الـ دي في دي، بيّن أن كثيراً من الزبائن يرتادون محله بهدف الحصول على أفلام تعليمية لأبناهم، وهو ما يفتقدونه في صالات العرض السينمائي. وعلّل تعامل كثيرين مع أفلام الـ دي في دي، لرغبتهم بمشاهدة فيلمهم المفضل دون ترجمة عربية مصاحبة له Subtitle كونهم يريدون إضافة لاستمتاعهم بالفيلم، تقوية لغتهم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها. وذهب حمودة إلى أنهم مثل أصحاب الصالات السينمائية ضحايا قرصنة الإنترنت. إذ لا يعدم كثير من المهتمين بالسينما وسائل مشاهدة الفيلم مباشرة، عبر مواقع على الشبكة "الحلزونية". وأشار زبون لديه أن الرقابة التي تتعرض لها الأفلام السينمائية المعروضة في الصالات قد تؤدي إذا كان مقص الرقيب لا يملك حساسية نقدية، إلى تشويه قصة الفيلم، والإطاحة بجزء محوري منه، وفضّل أفلام تلك المحلات لعدم تعرض معظمها لمقص الرقيب.

مدير صالات سينما زارا عمر أبو عمر، أقر بتأثير تلك المحلات على نسبة الإقبال على صالاتهم. وردّ على الدعاوي  بشأن مقص الرقيب،  قائلاً "إننا في الأردن نحظى برقابة غاية في الرقيّ والتفهم. وذكر "إن مديراً مثل رسمي محاسنة يتعامل مع الأفلام المعروضة عليه لرقابتها وتقييمها بعقلية الناقد السينمائي لا بعقلية الرقيب وذلك خير دليل على صحية الأجواء القانونية التي تتعامل مع المنتج المتعلق بفن السينما".

ورفض أبو عمر معظم المبررات التي أوردها أصحاب تلك المحلات، وحذّر من خطورة "إدخال أفلام لحرمات البيوت لم تخضع لرقابة شفافة"، وهي خطورة لا تقتصر بحسب أبو عمر على المحتوى الأخلاقي، لكن أيضاً "المحتوى السياسي والقيمي وحتى الجمالي". وأوضح أن محلات بيع الأقراص المضغوطة الأصلية يُخضِعون تلك الأقراص للرقابة، ويَعرضونها قبل وضعها في محلاتهم على هيئة الإعلام المرئي والمسموع، وينالون إجازة قبل وضعها للبيع، ويلتزمون أولاً وأخيراً بالمواعيد المخصصة لهم بعد أن يأخذ الفيلم نصيبه من العرض في الصالات.

يبلغ عدد صالات العرض السينمائي في عمّان خمس صالات رئيسية، وفي داخل كل صالة عرض رئيسية هناك من ثلاث إلى أربع صالات فرعية، ما يبلغ بمجمله نحو 17 دار عرض. وقد تعرضت دور العرض متوسطة المستوى أو الشعبية" إلى ضربات قاصمة في الآونة الأخيرة، ما أدى إلى إغلاق معظمها، ولم تصمد أمام التغيرات المدينية التي تشهدها العاصمة سوى صالات الخمس نجوم.

 بينما يصل عدد محلات بيع الـ دي في دي إلى عشرات المحلات، تنتشر خصوصاً في قاع المدينة، وبالذات في الأمكنة الأكثر حيوية من وسط العاصمة حول مطعم هاشم ومقهى جفرا والأوبرج ومحلات بيع العصائر والمشروبات الشعبية الباردة صيفاً والساخنة شتاء، وحول أكشاك بيع الكتب المنتشرة هناك: الجاحظ وكشك الثقافة العربية لصاحبه حسن أبو علي،  وكشك برهومة وغيرها من الأكشاك.وهي منطقة نالت أهمية مضاعفة بعد جولات قام بها الملك عبدالله الثاني والملكة رانيا على امتدادها، وبعد جلوسهما وأبنائهما الأمراء غير مرة في مطعم هاشم الشعبي وتناولهم الطعام فيه.

* قاص وكاتب من الأردن