أربع قصص

محاسن الحمصي*

زينة 

كعازف بأصابع رشيقة على مفاتيح بيانو تعلو وتنخفض برتم لحن جميل،جاء صوته يحمل طفولة مرحة ، مغامرة مراهق ، إتزان رجل ، مزيجُ  حلوى أود لو أذوب بمذاقها الشهي .

" أعدتُ ترتيب البيت، غيرت أماكن بعض الأثاث ، ابتعت أغطية ملونة  الزينة والمصابيح  وضعتها حول النوافذ والأبواب ، لم أنس  نافذة المطبخ . الشموع في الزوايا وعلى كل درجةٍ ترافق خطواتك للطابق  الأعلى ، الألعاب  تتسلق  أغصان شجرة  الميلاد ،تجلس  في ركنك المحبب. كل شيء جاهز ومنسق ينتظر طلتك لتضيء أصابعك القناديل ، نذيب الثلوج  من خلف الزجاج  بنيران الشوق ، نتدفأ بالحب ، نعانق اللحظات ..".

هزتني الكلمات ، اختنق صوتي بالدمع ، سمعتني أهمس حزنا :  لا تنتظر من قلب شُل أن يجيء. 

 

خيانـة

المفاجأة كانت أقوى من التفكير او اتخاذ قرار.  بلا شعور  أغلقت الباب ،  لم أركض لاستل سكينا من المطبخ، أو أصوب مسدساً.  جمعت ثيابي في حقيبة  لملمت بعض الصور ، وهمتُ في الطرقات والأزقة ، أبحث عن الأسباب ، أفتشُ عن جواب ، لماذا ؟.

لم أرتكب جريمة شرف ، لكني قضيت عقوبة التشرد والأشغال الشاقة في  مدن غريبة ، كئيبة ،  أغسل ، أكنس ، أتسول ، أجوع ، لأكمل الدراسة.  الغربة تصقل الرجال ولم تصقلني. بت أكثر تحجراً ، قسوة ، وزير نساء متلبد المشاعر .

الأخبار تأتيني من ذلك الرجل البسيط ، تحمل أفراحا وأتراحاً فأتعلل بضيق الوقت، العمل ،  وصعوبة السفر .

أمك  اعتمرت ، أمك تحجبت ، أمك أدت فريضة الحج ، أختك الكبرى  تزوجت ، أردد المثل ( طب الجرة.. ) ، أخوك تخرج مهندس ميكانيك ، أختك  الصغرى أولى جامعة ، تعبتُ ياولدي متى تعود لتجد ابنة الحلال ، ونفرح بك ؟.

قلبي يخفق بشدة ، نوبات ندم تعتريني ، قدماي لا تحملاني وأنا أصعد درجات  المشفى يرافقني حشد من أفراد عائلة كبرت ، تفرعت ، غادرتها مرغما . أمس سمعته يبكي ، أمك في العناية الحثيثة. الأمل ضعيف في نجاتها ألن تراها ؟

اقتربت من الوجه المشع نورا ، الغارق في غيبوبة بين الأنابيب والأمصال ، أتراني تخيلتها رمشتْ ، ابتسمتْ ، وبقلب الأم عرفت اني قد أسامح وأصفح وستفارقنا مطمئنة .

مددت أصابعي المرتجفة لأغمض عينيها ، لمحت يدا رأيتها يوما  تلامس وجهها تزاحمني ، وتزاحم  الأسرة في قلبها ، سحبت يدي ،  وعدت للتشرد .

 

تناقـض 

أناكفه ، ويستفزني ، يتحول الهمس العذب الرقيق الى اتهامات متبادلة  - لا شيء يمنعك من الحضور ، تكاليف السفر ، اقامتك ، تنقلاتك أسددها ،  شبعت كلاما ووعودا ، تعبت من التسويف .

- نظرتي ليست  مادية ، ولا ارتباطي بك استغلال ومصلحة ، المال لم يكن  أبدا عقبة في الطريق ، كيف أخلع الظروف التي تلفني ، تخنقني ، وأنت الأدرى بحالي ، والأعلم بما أعاني .؟

مع كل فرض أصلي ركعتين لله ودعاء أن نلتقي قريبا ، لألقي براسي المتعب على صدرك ، وأنهل من رضاب حبك ما ينسيني البعد .

- كيف تصلين وتسألين الله لقاء محرما ، ماهذا التناقض  ؟.

أجل هو تناقض لا يرضى الله ولا الشرع ولا يدخل تحت أي بند تحليل وإفتاء ديني ، لكنه الحب الذي يمتلكني ومشاعري التي تخرج عن السيطرة 

هل بالضرورة حين نلتقي ارتكاب معصية أو خروج عن النص ؟ يمكننا قضاء الوقت في أحاديث وسياحة وتجول ..فقط أن نكون معاً  ..!

- انا لا أكذب على  نفسي ولا أضع روابط على حبي واشتياقي هل تتوقعين أن أصافحك ، أكتفي بالنظر .. ووووو

- أرجوك. كلامك يحبطني ..هي أماني وأحلام وما شاء الله فعل يكفي أن أحبك و أن أعيش على أمل ..

- أنا واقعي وأنت رومانسية ، لن أحضر ولن تأتي ..يغلق الخط لنستأنف حوارا في الغد ، فكلام الليل يمحوه النهار ..

 

مناسبـة

أمسك التقويم، أقلبه، أقطع  الأوراق التي تحمل المناسبات الرسمية ، الأعياد الدينية طوال العام ، أنسقها حسب التأريخ أضعها في مشبك  ، أخفيها كثياب العيد تحت الوسادة أتلمسها بفرح طفلة تحلم بركوب المراجيح ومشاهدة صندوق الدنيا والعرائس المتحركة .

رمضان  ،عيد فطر ..أنمق  تهنئة تليق به ، عيد أضحى أزين حروفا تناسب وقاره ، رأس سنة هجرية ، رأس سنة ميلادية أحمل كلماتي الأماني بسنة خير عليه ..يصمت لا يصد ولا يرد ..!

تقفر أعيادي  ، يبدأ العد التنازلي ، ليحتضر العام  تنتهي أوراق التقويم وألبس ثوب الكآبة .

اليوم ..ضحك بريدي ، توهج ، تألق ، استقبل زائرا أثيرا ، يحمل حرزا : كل عام وأنت بخير وصحة ونشاط .. هللت فرحا ، منذ تلك اللحظة أنا بخير وصحة ونشاط ، أستعير بيت شعر لمحمود درويش أرسله : يا مصحف القلبين أقسم أن أيامي جميلة ..

 

1-1-2011

* كاتبة من الأردن

Mahassen_h@yahoo.com