أديب البحر حنا مينة يتمنى أن يموت غريباً وحيداً

محمود منير

"إذا نادوا: يا بحر! أجبت.. البحر أنا! فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً"، وليعرف قراؤه جيداً ذلك المعنى عاشوا "حكاية بحّار" مع الروائي السوري حنّا مينة، واستسلموا لـسرده عن الحرب في "الشراع والعاصفة"، وانتظروا الوصول إلى "المرفأ البعيد" لنتأمل على مقربةٍ من البحر في جَزره "نهاية رجل شجاع".

منحه البحر خبرةً عميقة وتجربةً استثنائية لم يعشها في المدرسة التي حرمه إياها الفقر، وظل المدى الأزرق مصدر إلهامه الأساسي  في كتابة أكثر من ثلاثين رواية قدّمته "أديب البحر"، كما يحب أن يُسمى، وأطلقت شهرته الواسعة.

عنيداً كما البحر، تنقّل صاحب "المصابيح الزرق" بين مهن عدة ليحفظ أسرار العمّال وهمومهم ويوثقها حبراً وسرداً، فاشتغل حلاقاً وحمالاً وبحّاراً ومصلح درّاجات ومربي أطفال وموظفاً حكومياً، ولأن الكرامة والحرية كانتا هدفه المنشود على الدوام فقد التحق  بالمقاومة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، وبوصفه "شيوعياً" لاحقته سلطات بلاده في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، وأمضى سنين منها هارباً منفياً في بلدان عة، ولم تحُل مغادرته العمل الحزبي دون مواجهات تحمل طعماً مختلفاً في الساحة الثقافية السورية.

لم يؤيد الروائي مينه مواطنه الشاعر أدونيس في كثيرٍ من مواقف الأخير، لكن ذلك لم يمنعه من التضامن معه وتقديم استقالته من اتحاد الكتاب العرب في سوريا، على خلفية إقالة صاحب "الثابت والمتحول" بسبب تهمة التطبيع التي نسبت إليه من دون مناقشته، ليقرأ على إثر ذلك خبراً في صحافة بلاده يصفه هو بـ "المطبع" كنتيجة "حتمية" لدفاعه عن أدونيس.

ترك اتحاد الكتاب وراءه، وهو من أبرز مؤسسيه إلى جانب سعيد حورانية وفاتح المدرس وشوقي بغدادي ومصطفى الحلاّج العام 1951، وراهن على حضوره بعيداً عن أي مؤسسة أو إطار جماعي، متفرغاً للكتابة ولعائلته، غير متوانٍ عن إبداء رأيه والخوض في سجالات ثقافيةٍ، إن لم يطلق هو نفسه جدلاً مفتوحاً ليس آخره وصيته التي لم تمرّ مرور الكرام.

"أنا حنا بن سليم حنا مينة، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألاّ أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه [لكل أجل كتاب]. ‏عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألاّ يذاع خبر موتي في أية وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب في أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهل، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية".

حديثه عن الموت تواصل منذ أمد غير قصير، مستذكراً في مقابلاته الصحفية أصدقاءه الراحلين وفي مقدمتهم رفيق دربه الشاعر محمد الماغوط، الذي روى قصة آخر زيارة له في المستشفى، حيث رفض أن يسمع "نكتةً" منه مؤجلاً إياها إلى إحدى السهرات حالما يخرج  الشاعر معافى، فسمع بعد يومين خبر وفاته..

ولأحاديث الموت صلةٌ بإقامة مؤلف "بقايا صور" في الذكريات، خاصةً بعد أن غيّب الموت زوجته مريانا قبل عامين، وعلى خلاف موت ابنته قبل 28 عاماً الذي ألهمه إحدى أعماله الروائية المهمة وهي "حمامة زرقاء في السحب"، فإن رحيل "أم سعد" خلّف حزناً ورغبةً في التخلص من ذكرياته الممتدة 86 عاماً، ما دفعه إلى اتخاذ قرار ببيع بعض مقتنياته، التي تشكل متحفاً يمثّل مفاصل بارزة في حياته، فنشر إعلاناً باسمه في صحيفة "تشرين" السورية عارضاً بيع بعض أثاثه العائلي.

لا يريد مينة "قتل" ذكرياته فحسب، بل إنه صرّح جاداً برغبته في مفارقة الحياة، ولو على يد "قاتل" مأجور لقاء مبلغ نصف مليون ليرة سورية (11 ألف دولار أمريكي) كتقدير منه لمن يخلّصه من "ألم" الذاكرة.

ليس ألماً، وهو الإنسان العاطفي، الذي عاش حياته وفياً للفقراء والمهمشين ولأصدقائه، وإنما مللاً من حياة قاسية عاركها بنبل وشهامة، فحقق نجاحات لم يتوقعها لكنه يدرك أنها نتيجة منطقية لـ "عصاميته"، فأصدر عشرات الروايات كان آخرها روايته "عاهرة ونصف مجنون"، ونال عن تلك الروايات جوائز وتكريمات، آخرها جائزة محمد زفزاف في المغرب، كما ترجمت أعماله إلى نحو 20 لغة، وحوّلت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية نالت جوائز رفيعة، منها: فيلم "بقايا صور" عن رواية بالعنوان نفسه، و"الشمس في يوم غائب" عن رواية حملت العنوان ذاته، و"آه يا بحر" عن روايته "الدقل".

"ما الذي أريده من الحياة؟ لغاية الآن لا أعرف ماذا أريد؟ رغم بلوغي أرذل العمر"، بهذه المقولة ينظر صاحب "القطاف" إلى رحلة وعرة وشائكة خاضها بشجاعة بحّار يتمنى اليوم النزول إلى أقرب ميناء بحثاُ عن راحة أبدية. 

غير آبه بمنتقديه الكثيرين، الذين يحملون عليه قيدي "الواقعية" و"الإيديولوجيا"، واصل كتابة الرواية برغبة في "تأريخ" البحر ونسائه المتعددات وكفاحه من أجل الناس والحرية، وهو يشدد على أن كل كِتاب ينطوي على أيديولوجيا، لكنه يعتقد أنها "نسيج مستتر" في أعماله.

"شيخ الرواية السورية"، "حارس الشقاء والأمل"، و"ابن البحر" و"زوربا السوري"، ألقاب لحنا مينة الذي لم يعرف "الأهل" في حياته، فتمنى أمام محبيه وقرائه الكثر أن يموت غريباً وحيداً إلاّ من آثاره االباقية..أطال الله عمره.