أحمد ابراهيم الفقيه: أولئك الذين نحبهم بصمت

الفقيه مع طفلتيه

تحية لهذا الموقع الإبداعي المتميز "بين قوسين" ولرئيس تحريره المبدع محمود الريماوي.  هذه شذرات مقتطفة من كتاب سوف يصدر في  مطلع العام المقبل 2011 عن دار الخيال البيروتية بعنوان "صقر يطارد سحابة بيضاء"، راعيت في عدد منها أن تحمل شيئا من النفحات التي تأتي مع مواسم العيد مثل عيد الأضحى الذي انتهينا في عالمنا العربي والاسلامي من الاحتفال به للتو، والكتاب مكرس لهذا النوع من أدب الايبجرام، راجياً أن تتجدد مشاركتي  في هذا الموقع الجميل في مستقبل الأيام .

أ.إ.ف

في عيد الحب

يتحدث الأدباء كثيرا عن أوجه الحب المتعددة وأقنعته المختلفة وألوانه المتنوعة التي لا تحصى.

ولكن حب روميو وجولييت وقيس وليلى وعنتر وعبله وحسن ونعيمه، له وجه واحد ولون واحد، لا يعرف الأقنعة والأصباغ، فهو الحب الذي يصبح تقطيراً وتكثيفاً لأعز وأنبل وأجمل ما في النفس الإنسانية.

أولئك الذين نحبهم في صمت

وتمضي الاعوام وينقضي العمر، دون أن يعرفوا شيئاً عن هذا الحب.

هل تراهم أيضاً أحبونا حباً صامتاً كتموه داخل صدورهم، فلم يخبرونا به وضاعت علينا وعليهم فرحة الحياة.

هذا ما يحدث أحياناً

أما الذي يحدث دائماً، فهو أننا بمثل ما نحب أحداً بصمت، فإن هناك شخصاً آخر أحبنا في تكتم وسرية.

كتمنا حبنا عمن أحببناه

وكتم انسان أحّبنا، حبه عنا

لتنتصر لعبة المفارقات، التي لا يحكمها الا قانون واحد اسمه قانون العبث.

أعياد

هناك عيد نحن نصنعه لأنفسنا، ونكون نحن أصحابه دون غيرنا من الناس، مثل عيد زواجنا. وهناك عيد يخصنا إلا أن أقداراً عليا تصنعه لنا، بمثل ما تصنعه للبشر جميعا، هو عيد ميلادنا. وهناك عيد يصنعه لنا أسلافنا، مثل عيد الاستقلال، وعيد يصنعه لنا الثرات الروحي والديني مثل عيد الاضحى، وعيد يصنعه لنا فصل الربيع، أحياناً قبل موعد وصوله، هو عيد الحب.

الصدفة

هناك أعياد تصنعها لنا الصدفة، دون ترتيب ولا مواعيد، ولا جهد من أحد في صنعها. .

وفي ذاكرة كل واحد منا، عيد صنعته له الصدفة، هو دائماً أجمل الاعياد.

الجوهر الثابت

العيد مظهر وجوهر،

وكثيراً ما نحافظ على المظهر وننسى الجوهر.

نحتفي بالشكل ونحرص على تنفيذه، وننسى المحتوى فلا نقيم له اعتبارا.

الا ان الجانب المضيء في هذه المفارقة المؤسفة، أن الشكل مرتبط بميقات محدد معلوم، بينما يبقى الجوهر مفتوحاً على كل المواعيد، وكل المواقيت. عيد الاضحى على سبيل المثال، يرتبط بقيم كثيرة نبيلة، مثل التضحية والبذل والعطاء والفداء والوفاء والتسامح، التي تشكل محتوى ومعنى هذا العيد، إلا أنها تتجاوز زمن العيد وميقاته، لأنها قيم تحتاجها الانسانية على الدوام وتنشد الانتفاع بها وممارستها، اثناء العيد وقبل العيد وبعد العيد، فهي قيم لكل زمان ومكان.

العيد في القلب

صنع لها في قلبه عيدا

وصنعت له في قلبها عيدا

خلال فترة انتظار اليوم الذي يتحقق فيه الارتباط الزوجي بينهما

وعندما تحقق الحلم، انطفأت أفراح العيد في قلبيهما، تحت ركام العادة والروتين.

حالة نفسية

يضعنا العيد في حالة ذهنية، نفسية، تجعلنا نقبل على الحياة ونشارك بقية افراد المجتمع فرحة هذه المناسبة، ونصبح طرفا في ما تفرضه من طقوس، وما يرتبط بها من عادات وتقاليد وننسى لبرهة مشاكل الحياة.

لأن العيد، عدا تلك الفرحة، لا يُعنى بأن يجترح حلولاً لمشاكلنا، أو يقضي لنا حاجة من حاجاتنا، فهو لن يسدد ديون المدين، ولن يبني بيتاً للمتأزم سكنياً، أو يجد وظيفة للعاطلين عن العمل، ويبقى مع ذلك كله عيداً يفرح به الناس.

الفرح الكبير

أهمية الأعياد الدينية والقومية، إنها اعياد يحتفل ويفرح بها كل افراد المجتمع، والقاعدة هي أن المناسبات التي تصنعها وتشارك في إحيائها الجماهير، تتخذ دائماً شكلاً أكبر وأهم وأكثر زخماً وقوة واهمية من شكلها على مستوى الأفراد. .

فأكثر انواع اللعب اهمية، هي تلك الألعاب والرياضات ذات الطابع الشعبي التي تجذب إليها الحشود الهائلة من الناس.  

وأشرس انواع الغضب، وأكثر هذه الانواع خطورة وفتكاً وقدرة على التدمير والايذاء، غضب الجماهير.  

وأكثر أنواع الحزن ثقلاً وقتامة وبؤساً، هو الحزن الذي تشترك فيه جموع الشعب.

العيد والحرب

ماذا عن الاعياد التي تأتي في ازمنة الحرب

هل يكون لها طعم ونكهة الأعياد التي تأتي في أزمنة السلم والأمان؟.

التجربة تقول إنها يمكن أن تكون بهذا الحال، لو سمحت بذلك مروءة البشر، فجيوش كثيرة متحاربة، كانت تمنح نفسها هدنة من الاحتراب اثناء هذه الاعياد، كما حدث اثناء الحربين العالميتين، عندما كانت تتوقف المدافع، وتهدأ اصوات القصف والقنابل والقاذفات في أعياد الميلاد ورأس العام، لتعطي الفرصة لأناشيد العيد يصدح بها كورال الاطفال. نقطة ضوء وسط رقعة من الظلام.

وسيلة

الأعياد وسيلة إن لم نقل مجرد ذريعة، نستخدمها لكي نحقق من خلالها شيئاً جميلاً وثميناً هو الاحتفال بوجودنا في الحياة.

  

احمد الفقيه

في مديح الضياء

 

إذا لم تستطع أن تكون شمساً تملك طاقة من الضياء تشع على الدنيا التي حولك، فلماذا لا تكون بدراً يعكس ضوء شمس بعيدة.

 

ابتعد عن إنسان يملأ قلبه الظلام لأن كل ما في الكون من شموس، لن تستطيع أن تضيء قلباً قرر أن يكون ربيباً للظلام.
الظلام طمس للأشياء والضوء كشف لها، الظلام يأتي وحيداً لأنه محو لحضور الأشياء الأخرى وإقصاء لها، بينما لا تكتسب الأشياء وجودها إلا في حضور الضوء.
ينتهي النور حيث يبدأ الظلام وينتهي الظلام حيث يبدأ النور، وهما في حالة موت وولادة ليلاً ونهاراً يتعذبان على أحلام البشر الفانين، وينسجان لأبناء آدم ثوب الفناء.
دعوه يضيء إنه قنديل يبحث عن ظلام لضوئه.
الجحيم ليس إلا نوراً، زاد عن حده فانقلب إلى ضده.
التطور الحضاري في جزء كبير من معانيه ومضامينه، حرب ضد الظلام، وإلا فماذا نسمي اكتشاف الكهرباء؟.
أليست مفارقة غريبة أن يكون توأم النور هو الظلام؟.

 

 

 

سؤال: من هو عاشق النور الأول فوق كوكب الأرض؟.

 

  جواب: الديك.

 

هناك في الكون ثقوب سوداء تبتلع النجوم، هناك في عالم الشرق، ثقوب سوداء، تبتلع النبوغ والعبقرية من أسمائها، القمع والاستبداد والطغيان.

 

هناك نور في قلب الظلام يعرفه رجال طه حسين، وهناك ظلام في قلب النور يعرفه كل الذين حاربوا طه حسين باسم الدفاع عن الدين.

 

هناك كائنات بشرية تنتمي إلى الظلام، وكائنات أخرى تنتمي إلى النور، ولكي نكون منصفين فإن تحية كل فريق من هؤلاء يحب أن تكون مختلفة.
تحية أهل النور يجب أن تكون عموا صباحاً، وتحية أهل الظلام يجب أن تكون عموا ظلاماً.
هناك ضوء في آخر النفق، طوبى لمن يستطيع أن يراه.
هناك أناس لهم في اسمهم نصيب، حمدي قنديل مثالاً.
هناك نار في الصحراء "أشعلها ذات يوم بعيد عمر المختار".
إنها ما زالت على مدى الدهر تضيء.
الضوء لا يخاف ولا يختبئ، ولا يرتدي أقنعة إلا أنه يتلون.
الأفق المضيءالذي نراه في الطبيعة لا يبقى دائماً مضيئاً لأن هناك ليلاً سيدركه ويغمره بسواد ظلمته.
إنه يبقى مضيئاً في حالة واحدة عندما ننقله في قلوبنا، ونحتفظ به متوهجاً في سهوب الذاكرة.
ليس كل ما يلمع تحت مسقط النور ذهباً، إلا أن النور مهما تنوعت مصادره وتغيرت الأماكن والبيئات والأشياء التي يسقط فوقها، يبقى هو النور الذي لا يستطيع تزييف هويته، فهي واضحة مثل وضوحه.
نحاول رشوة الزمن، فمنح التقويم والنتائج أسماء ننسبها إلى النور، لا يستطيع تزييف هويته، فهي واضحة مثل وضوحه.
نحاول رشوة الزمن، فنمنح التقويم والنتائج أسماء ننسبها إلى النور، ونقول عن هذه الأشهر شمسية، وعن أشهر أخرى قمرية ومع ذلك فإن الزمن لن يتوقف عن معاملته الغادرة لبني الإنسان.
مضى، لكنه زرع قبل أن يمضي نجوماً في قلوب الناس، تضيء عبر كل الفصول وتعاقب الأجيال، وذلك هو الكاتب.
يقترن الليل في الأساطير والمأثور الشعبي بالأشباح.
؟ولكنهم نادرون جداً أولئك الذين رأوا هذه الأشباح.
لأن رؤيتها تحتاج إلى بصيرة لا يملكها إلا صفوة من البشر.
ما كان الضوء لولا الظلام.
إذا أشرقت الشمس فكل مصابيح الكهرباء وكل الشمعدانات وكل الشموع لا يبقى لنورها أية قيمة في الظلام، تصبح الشمعة الواحدة عيداً.
تستطيع أن تبحث عن ركن مظلم تختفي فيه من إنسان يلاحقك، ولكن أين يستطيع أن يختفي ذلك الإنسان الذي يلاحق أعداء لا وجود لهم إلا في عقله.
وإذا كان الليل فضيلة، فهو يزعمنا خلال حلكته الدامسة التي لا نرى من خلالها شيئاً حولنا، أن ننظر في نفوسنا ونتأمل الأشياء والكائنات التي تتحرك في عوالمنا الداخلية.
*روائي وكاتب من ليبيا مقيم في مصر.