أثرٌ ثمين استولى عليه المحتلون: سفر التكوين البابلي في بلاد كنعان

أسامة العيسة*

لم يتمكن موظفو دائرة الآثار الاسرائيلية، من كتم دهشتهم عندما عثروا على كأس فضية، فريدة من نوعها، في احد القبور الكنعانية، في منطقة عين سامية، قرب رام الله،  في العام 1970،  وذلك خلال حفريات إنقاذية نفذتها هذه الدائرة التي أسسها الإسرائيليون بعد احتلالهم الضفة الغربية وقطاع غزة، في أثناء شق شارع لخدمة خطط الاحتلال الجديد، عُرف باسم شارع ألون.

قبور عين سامية المثيرة، معروفة للأثاريين  ومن الذين نقبوا فيها بول لاب في العام 1963، ونشر دراسة عنها، لكن مجموعة القبور هذه التي تزيد عن 150 قبراً محفورة في الصخور وتضم آلاف المدافن، ولم تجر فيها جميعا حفريات علمية، ولم تحظ بدراسة وافية حتى الآن، وتعتبر "مدينة ممتدة تحت الأرض" كما يصفها منقبون غير شرعيين، حيث تتشكل هذه القبور من مداخل علوية وأنفاق جانبية وغرف دفن.

آثاريو الاحتلال عثروا على الكأس بجانب الأواني الجنائزية، وأكواب الفخار وحبات العقيق، والأسلحة. واكتسبت أهمية لدى علماء الآثار لوجود رموز أسطورية نقشت عليها.

جزء من الكأس مكسور، ويعتقد بأنها أودعت في المقبرة بعد كسرها، لذا فهي تختلف عن باقي الأدوات الأخرى، التي ربما خصصت للاستخدام من قبل المتوفي في العالم الآخر، وفقاً لبعض التأويلات.

وقد لاحظ علماء الآثار أن الكأس مصنوعة من معدن مكلف، ومزينة بنقوش، واعتبروا ذلك رمزاً للترف ومكانة المتوفي الاجتماعية.

الجزء السفلي من الكأس يحوي التصميمات الهندسية التي تشكل خط الأساس للمشهدين المنقوشين في الأعلى، أحدهما يصور شخصية لها وجهين ذات جسم بشري، بذراعين ممدودتين إلى الشمال واليمين. أما الرِجْلان فهما لاثنين من الحيوانات وعلى الأغلب الثيران، بما يذكر بتماثيل الثيران البابلية ذات الوجوه البشرية، وبين الرجلين دائرة تضم 6 تشكيلات هندسية تحيط بدائرة صغيرة في وسطها نقطة.

يحمل هذا الكائن الأسطوري في كل يد باقة من النبات تنتهي بمثلث مدبب،ما يشير إلى كونه حربة، وقريباً ما يحمله في يده اليسرى من رأس تنين يقف على ذيله، وله رأس ضخم يشبه رأس أفعى، ويُعتقد بوجود نقش لتنين آخر مقابله على الجهة اليسرى لكنه مفقود عن الكأس المكسورة.

المشهد الثاني يمثل شخصين، يمسك كل منهما بطرف هلال محمولا عليه دائرة تمثل الشمس، مكونة من 12 تشكيلا هندسيا تحيط بوجه إنساني عابس، وتحت الهلال ثعبان ضخم أو تنين جعله الفنان الكنعاني يقف ويمدد نفسه مقترباً من نتوء في الشخص الثاني صعب تحديده.

تحوي هذه الكأس رموزاً مفتوحة على تأويلات مختلفة وثرية. يمكن الإشارة هنا إلى أن الهلال والشمس يمثلان رموزا ًكونية في حين أن الثعبان-التنين يمثل العالم الآخر، لكن هذا التفسير المبسط  قد يغمط النقش حقه، ولم يتم تحديد الأصل الأسطوري لهذا المشهد الفاتن، رغم أن البعض أحاله إلى أساطير بلاد ما بين النهرين، وتحديداً إلى أسطورة (إينوما إيليش- حينما في العلى)، التي تعرف بأسطورة الخلق البابلية، وتتحدث عن بداية خلق العالم، وعن الصراعات الدامية بين سلطة الأمومة في أول تجلياتها الأسطورية بشخص تيامات أو تعامة ،وبين سلطة الأبوة ممثلة بالإله مردوخ أو مردوك ابن الإله إيا وزوجته دمكينا.

عالم الآثار الإسرائيلي يغال يادين اعتبر أن الرموز المنقوشة على الكأس، تمثل انتصار مردوخ على تعامة في ملحمة التكوين البابلية، المكونة من سبعة ألواح، مدونة بالأحرف المسمارية، اكتشفت في أربعينات القرن التاسع عشر، في مكتبة الملك آشور بانيبال (626-667 ق.م)، مع ملاحم أخرى مثل الملحمة الشهيرة جلجامش.

تتحدث ملحة التكوين البابلية هذه، عن بدايات الخليقة، حيث وجدت الآلهة تعامة آلهة الماء المالح وزوجها الإله ابسو، إله الماء العذب، ومعهما الإله ممو الذي يمثل الموج أو الضباب، والمقرب من ابسو، وكانت الحياة آنذاك تتسم بالاطمئنان والدعة، وعندما أخذت الآلهة بالتناسل وأنجبت تعامة المزيد من الآلهة الشابة التي بدأت تتململ وتفوق آباءها قوة، يقترح ابسو قتلها للعودة إلى الهدوء، وتتردد الأم تعامة، ويعرف إيا احد الآلهة الأبناء بالأمر فيقتل ابسو في ثورة أولى يقودها الآلهة الشبان ضد الآلهة القديمة، ويستتبع ذلك تحريض من قبل الآلهة القديمة لتعامة على الانتقام، فتجهز جيشاً يضم 11 نوعا من الحيوانات والزواحف الأسطورية، كالأفاعي والتنانين العملاقة، مما يثير هلع الآلهة الأبناء قبل أن يوافقوا على تسليم القيادة للإله الشاب مردوخ ابن إيا بعد اختباره، حيث يثبت قدراته  الخارقة بالتحكم في الأشياء، ويواجه جيش تعامة بجيش أسطوري أخر، ويبارزها بشكل فردي، ويتمكن من قتلها في مشهد أسطوري يخلب الألباب، ويشق جثتها قسمين، يخلق منهما السماء والأرض، ثم يبدأ بخلق باقي الأشياء، وبعد الانتهاء من ذلك، تتوجه الآلهة سيدا للكون، وتبني له مدينة بابل، ومعبدا تتلو فيه أسماء مردوخ الخمسين، ويكون بذلك أنجز ثورة الآلهة الشباب الثانية والحاسمة.

هذه الأسطورة من أهم إن لم تكن أهم أساطير العالم القديم، وكانت تتلى خلال أعياد رأس السنة البابلية، وتمسرح، فتعود الآلهة إلى الوجود تحكي قصة الخلق، بشخوص البشر، ومنذ الكشف عنها أثارت اهتمامات بالغة من قبل الباحثين، ومن الذين لفت انتباههم فيها تشابه قصة الخلق مع سفر التكوين في العهد القديم. ولأن الزمن الذي كتبت فيه الملحمة أسبق بنحو 1500 عام من تدوين التوراة، فإن المقارنة كانت مغرية جداً وفتحت المجال لتأويلات شتى، حتى أصبح لدى العلماء الآن تأكيد باستفادة التوراة بشكل كبير من أسطورة الخلق البابلية، وغيرها.

وقد تكون إينوما إيليش أول نص يقدم لنا الانقلاب التاريخي بين انتهاء عصر الأمومة وبداية عصر الذكورة، رغم أنها كتبت في عصر لاحق على ذلك الانقلاب، وتكتسب بعدا سياسيا بتوحيد الآلهة البابلية، تحت قيادة اله واحد كبير وفذ هو مردوخ، بتأسيس الإمبراطورية البابلية القوية الموحدة بملك واحد.

وعودة إلى رموز كأس عين سامية، بعد الإطلالة السريعة على إينوما إيليش، في المشهد الأول الذي يظهر شخص أسطوري بوجهين بشريين، يمكن إحالة هذا الشكل إلى الإله مردوخ الذي يظهر في المشاهد التي خلدته، بوجهين، ويبدو في هذا النقش متعالياً، مستعدا لمنازلة حيوانات تعامة الأسطورية، حاملا باقة النبات-الحربة التي لا يتمكن التنين من الإمساك بها، والذي يمثل أيضا تعامة، وخلدت نقوش ولوحات صراع مردوخ مع تعامة وهي على شكل تنين بوجه بشري.

وفي المشهد الثاني فان ملامح مردوخ وأبهته تظهر في تجسيد شخص، يشبه الملك البابلي، وكثيرا ما يعتبر مردوخ تجسيدا للملك، وهو هنا يتحكم بالقمر على شكل هلال، ويبدو أنه في مرحلة خلق الشمس التي هي في طور التشكل كما يمكن أن يستشف من عدم اكتمال الرسم في جهة القرص اليسرى، بينما يحاول التنين (تعامة)، المنتصب المقاومة دون طائل، وقد يمثل الوجه البشري وسط رسم الشمس الآلهة تعامة نفسها، وهو يخلق منها مكونات السماء.

هكذا فإن نقش عين سامية، حيث مرت على الموقع حضارات عديدة، واستوطن منذ العصر البرونزي الأول، يمثل صراع الإله مردوخ مع تعامة وانتصاره عليها، وبدء خلقه لعالم آخر فوار هو عصر الأبوة الذي ما زلنا نعيشه، على أنقاض عالم قديم هاديء ينشد الدعة، ويظهر النقش تأثير أساطير بلاد الرافدين على الحضارة الكنعانية، ولا شك أن صدى الصراع الدامي، في وطن الأنهار والماء، كان له رجع الصدى في عين سامية، التي تشرب منها رام الله الحديثة.

والآن فإنه في أحد أركان متحف إسرائيل، الذي تعتبره دولة الاحتلال درة تاجها الثقافية، وأعادت افتتاح أقسام واسعة منه بعد تحديثات مكلفة، والذي يضم أهم الكنوز الأثرية الفلسطينية، تقبع كأس عين سامية، التي استولى عليها المحتلون خلافاً للقوانين الدولية، دون أن  تخضع رموزها إلى دراسات وأبحاث جادة، قد تكشف نتائج أخرى، مثل أنها تمثل سفر تكوين كنعاني أو ملحمة كنعانية متأثرة بالأساطير البابلية، ولكن ذلك يبدو بعيد المنال، في الوقت الذي يستمر فيه تدمير ونهب آثار عين سامية، التي تصل في النهاية الى التجار الإسرائيليين، ومنها ما قد يساعد في تقصي جذور الأساطير الكنعانية، فحسب بعض المصادر التي التقيتها في عين سامية، فان من بين ما عثر عليه في القبور المثيرة تماثيل لشخصيات اسطورية آدمية وحيوانية.

*باحث من فلسطين